1


يدخل قاسم المكتب فيسأل نور أو إيلي أو سنان: «هل شاهدتَ الحلقة؟». وكلمة حلقة هنا لا تحتاج إلى أن يتبعها الزميل باسم المسلسل. فمن سيشكّ للحظة بأنه يتكلم عن «غايم أوف ثرونز»؟! (هو بالطبع لا يقصد الجزء الأخير من «ليالي الحلمية»). وإذا كان الحاضرون قد شاهدوها، فما هي إلا ثوانٍ حتى ينطلق «الاستديو التحليلي»، حيث يحاول كلٌ بدوره الإحاطة بأحداث الحلقة وتفكيكها ثم تحليل مآلاتها، مزهواً بنجاح فرضياته التي سبقت الحلقة أو معبّراً عن خيبة من إخفاق تحليله، ثم يبدأ بطرح توقعات جديدة بانتظار الحلقة المقبلة. أما إذا كان الزملاء لم يشاهدوا الحلقة بعد، فيبدأ الرجاء بألا ينضم قاسم أو غيره إلى الـ«spoilers»، مفسداً لذّة المشاهدة.
منذ نيسان الماضي، لم يمرّ يوم لم أسمع فيه بعبارة «غايم أوف ثرونز» وبأسماء أبطاله بين جدران الصحيفة. في أحيانٍ كثيرة، احتلّت سيرسي لانيستر مكان دونالد ترامب، وسانسا ستارك محلّ أبو محمد الجولاني، وطغت أحداث الـ «Battle of the bastards» على أحداث «معركة حلب». وفيما يستطيع الزملاء المنضوون في «رابطة الأوفياء» للمسلسل، أن يمضوا ساعتين متواصلتين في تحليل الأحداث من دون توقف، وبلذّة مطلقة، نقف على الضفة الأخرى نحن الذين لا نزال خارج «الرابطة» (وربما خارج التاريخ)، مذهولين من تلك الطاقة الجبّارة ومن الحديث الذي نخاله أحياناً بالصينيّة... تقول نادين: «ممكن أن تتوقفوا؟ يكفي غايم أوف ثرونز لهذا اليوم»، فيجيبها سنان: «حسناً، لنتكلم إذاً عن هاوس أوف كاردز!».


2



«أنتِ تجسيدٌ للتلفزيون يا ديانا، غير مبالية بالمعاناة، فاقدة للحساسية تجاه الفرح». (Network, 1976).
في تحقيق نشره موقع «بي بي سي» سنة 2013، يتناول «إخلاص» المعجبين للمسلسل، أخذت القناة البريطانية عيّنات من مشاهدين مهووسين بالسلسلة، ممن أطلقوا على مولوداتهم أسماء أبطاله، أو اقتنوا أغراض ترمز إليهم، أو طبعوا صوراً واقتباسات من العمل على ملابسهم.
بعد حلقة «Hodor» قبل أسابيع قليلة، ظهر منتجا المسلسل، ديفيد بينيوف ودانيال وايس، في برنامج «مباشر مع جيمي كيميل»، جالسين بين كومةٍ من الدولارات يسخران من المشاهدين «المزعجين» الذين أخذوا يرددون بلا توقف مفردة «Hold the door» التي اشتهرت في الحلقة المذكورة، وموجهَين اعتذاراً إلى المحاطين بهؤلاء «الحمقى»، بحسب تعبير الرجلين. لكن المشهد الساخر كان يقول بوضوح في المقابل: «نحن نجني كل هذه الأموال التي ترونها من هوَس هؤلاء الحمقى».
الأمر الذي قد يحيلنا على الجملة المذكورة في بداية المقطع والتي قالها ماكس (ويليام هولدن) إلى ديانا (فاي دانواي) المديرة في قناة «UBS» المهووسة بالرايتنغ وبرفع عدد المشاهدين (لا بمشاعرهم أو بإخلاصهم) بأي وسيلة ممكنة.


3


حتى الهاتف الذكي عندما تكتب «غايم»، وتتبعها بـ«أوف»، يقترح عليك فوراً «ثرونز». لا خيارات كثيرة أخرى. فما دمت تحمل هاتفاً مصنعاً من شركة «آبل» أو «سامسونغ»، كمعظم سكّان الكوكب، فكم هي فرص أن تكون خارج مليونيات «غايم أو ثرونز»؟ (تشير إحصاءات غير رسمية إلى أن عدد مشاهدي المسلسل، بكل وسائل المشاهدة المتوفّرة، وصل في الجزء الأخير إلى 23 مليون إنسان). تحليلات استراتيجية وسياسية واقتصادية واجتماعية وأنثروبولوجية وثقافية. أناسٌ منهارة على الأبطال والبطلات. مشاهدون يكتئبون بعد موت إحدى الشخصيات. زعماء يقتبسون أقوالاً من العمل في خطبهم. على التلفزيون، في الصحف، على فايسبوك، في المكتب بجانبك، لا شيء سوى سيرة السلسلة. حتى الزميل الملتزم دينياً الذي لا يفوّت حلقة منذ الجزء الأول، يحرص على تسريع المشاهد الجنسية لحجبها (مع ما يتطلّبه ذلك من يقظة وترقب طيلة الوقت!).
في مقال للفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجك، نُشر في «الغارديان» عام 2014، حول الاستهلاك، يستشهد بإعلان لـ«ستارباكس» يتوجه إلى المستهلك بالقول إنه حين يشتري قهوة من سلسلة المحالّ الشهيرة، فهو لا يشتري مجرد كوب من القهوة، بل يشتري «قيم/ أخلاقيات» هذه القهوة. أي أن الاستهلاك لم يعد موجهاً حصراً إلى المنتج، بل هو استهلاك لنمط حياة، لـ«لايف ستايل» الجماعة. وبالنظر إلى الإعصار الجارف الذي أحدثته السلسلة منذ عام 2011، يمكن القول إن المشاهدة في أحيان كثيرة لم تكن من أجل المتعة الخالصة، بل من أجل «الانتماء». بمعنى آخر، أنت تعدو خلف لذة، ولكن ليس من أجلها، بل لأن الملايين يشتركون فيها.
وليس الهدف من وجهة النظر هذه التقليل من قيمة القهوة أو المسلسل، ولكنها تحاول أن تبيّن كم أن العالم يصبح متشابهاً ومتوقعاً (والمفارقة أن هذا في الغالب مصدره «عالمٌ حر»)، وكم أن الفرد، الغارق في فرديته، يصبح أقرب إلى نسخة في قلب الجماعة.


4


وبما أن المقاومة في ظلّ ذلك كله تصبح صعبة، استعرتُ الأجزاء من الزملاء الذي أشعروني بأنهم يسلّمونني «الشعلة» أو أنهم يودعون معي تركةً لا تقدّر بثمن.
في الحقيقة لم أشاهد سوى أربع حلقات من الموسم الأول، وهذا لا يعني أن العمل لم يثر إعجابي أو فضولي. ولكن صدقاً، ومع احترامي للملايين ولجورج مارتن ولآل ستارك والعائلات الأخرى، أشعر، وقد وصلت متأخرةً، بأنه يستحيل مشاهدة 60 حلقة، ما دام النهار لم يصبح بعد 36 ساعة.
ولكن مهلاً، لن تخرج «معافى» من كل هذا. فبما أنني محاطة بـ«رابطة الأوفياء» هذه، لا بد أن أستعيض عن المشاهدة «الملتزمة»، بتمرير بعض المقاطع المهمة على يوتيوب، أو انتقاء الخطب التاريخية والاقتباسات البارزة والمشاهد المفصلية في أحداث المسلسل. فحتى للجهل في «غايم أوف ثرونز» حدود. هكذا شاهدتُ مشهد الـ«Red wedding» (حين مات الممثلون جميعاً تقريباً)، ومشهد الـ«walk of shame»، بعدما ضمن صديقي أن رؤية مشاهد متفرقة من أجزاء مختلفة لن تفسد المسلسل الذي لن أشاهده أبداً.
بعد مشاهدة الحلقة الثانية، جئت بكل فخر كي أنضم إلى «الاستديو التحليلي» أخيراً، حاملةً فرضية على غرار الزملاء: «جون سنو هو شقيق داينيريز. سترون». اتضح لاحقاً أن ذلك غير صحيح... لا يهمّ، المهم أنه لم ينجُ أحد من هذا الإعصار!