منذ ظهورهما الأول على الشاشة، اكتشفنا بسرعة في شخصيتي البلاط الملكي، فاريس وبايليش، اثنين من أكثر الشخصيات الجدلية والفلسفية النافذة في «ويستروس». ورغم أن المملكة تعجّ بالنبلاء الطامحين، والفرسان الأشدّاء والسحرة، بل وحتى التنانين، إلا أننا نشعر وكأن لعبة الحكم تحاك من خلالهما، وعبر صراعهما الخفي ــ رغم الاختلاف الواضح بين الشخصيتين.

يعرّف اللورد فاريس نفسه بأنه يتيم، وُلد في كنف العبودية في مدينة «لييس»، ثم بيع مجدداً في مدينة «مير»، وهو ولد يافع، إلى ساحرٍ قام بخصيه، من أجل تأدية طقوسٍ غرائبية. وبعدما استقر في العاصمة، «كينغزلانديغ»، بات أحد الأعضاء الغامضين في المجلس المصغر ــ مجلس الوزراء. يدير شبكة واسعة من الجواسيس، ترسل إليه التقارير باستمرار، عن شؤون المملكة وأسرارها، وأقاليمها المتباعدة (دائماً ما كان فاريس يُكنّي جواسيسه بـ«العصافير الصغيرة»، حتى اكتشفنا في الموسم السادس أنهم، حرفياً، فرقٌ من الأطفال الصغار المشردين).
في الشكل، يبدو اللورد كأحد المثقفين النرجسيين. أحلق الرأس والذقن، وذو نظرة هادئة واثقة، تشي بأن صاحبها على دراية بكل الأمور. إلا أن وضعية يديه، التي تظل معقودةً فوق بطنه باستمرار، تجعله يبدو كأنه يحاول حماية شيء ما. ربما نتيجة افتقاده لعضوه، الذي سلب منه في طفولته.
يقدّم فاريس نفسه على أنه من خدّام المُلك أو المملكة، ولكن أيّ مُلك؟ هذا ما دفع القائد الشمالي الكبير، الشهيد المظلوم نيد ستارك، إلى سؤاله مستنكراً: من تخدُم بحق؟ إذ يدّعي فاريس أنه يخدم الصالح العام أو إرادة الملك، غير أنه في الحقيقة يخدم رؤيته الخاصة، لما يجب أن تكون عليه الأمور.

«يستطيع رجلٌ صغيرٌ جدّاً أن يُلقي ظلّاً كبيراً» - لورد فاريس

في المقابل، لدينا اللورد بايليش. صاحب أكبر بيوت الدعارة في العاصمة، وقائد أوركسترا الحرب الأهلية في ويستروس، بين آل اللانيستر والستارك، بعدما ملأ مسامعهم بالكذب والأحقاد. يقول البعض إن بايليش همس في أذن الملك جوفري ليقطع رأس نيد ستارك، بعدما كان يهمّ بالعفو عنه؛ أحب في صغره اللايدي كايتلين ستارك، زوجة نيد، ثم مكث لدى شقيقتها ليزا تالي التي أغواها وأوهمها بحبه لها، ووعدها بالزواج، قبل أن يقتلها ويستحوذ على ملكها، ويتلاعب بابنها الصغير، الوريث الاسمي، الذي صار فعلياً دميةً بيد بايليش.
من هو بايليش؟ وماذا يريد؟ ولد بايليش في منطقة منسية هامشية من الممالك السبع تدعى «الأصابع» (لأنها امتدادٌ لليابسة داخل البحر على شكل أصابع، ولأن عائلة بايليش تنتمي إلى أصغر هذه «الأصابع» وأفقرها، حظي بلقبه «الإصبع الصغير»).
ورغم أن أباه رب عائلة نبيلة، إلا أنه كان بلا نفوذ أو سلطة أو جاه، لذا وجب على بايليش أن يصعد سلّم الطبقية في ويستروس درجة واحدة في كل مرة. ولكن كيف يُصعدُ السلّم بوجود العائلات الكبيرة الحاكمة، المثقلة بتاريخ وبثروات وبأمجاد؟
«الفوضى يا عزيزي، الفوضى». الدينامية متشابهة هنا، في ويستيروس كما في الشرق الأوسط: تتغير الأسماء والعناوين، ولكن المراد واحد؛ إضعاف الدول والشعوب، وإشغالها باقتتال داخلي وفوضى تقلب الأمور، وتسمح لأمثال بيتر بايليش بالطفو على سطح التاريخ وصعود السلم.
لم يكتفِ بيتر بفتح هوّة الحرب والفوضى، بل ذهب إلى ما هو أبعد. أراد «اللورد»، وبشدّة، أن يخفي حقيقة جذوره المتواضعة التي لم تورثه اسماً ولا جاهاً، فصنع شعاراً جديداً له ولعائلته، هو أيقونة يحملها على رقبته على شكل الطائر الساخر، بدل الشعار التقليدي لآل بايليش، الذي كان رأس عملاق برافوس.
ما يميز بايليش في الشكل هو نظرة المكر في عينيه، وكأنه يصبو إلى شيء ما يراه هو فقط، إلا أن سلاحه الأخطر يبدأ حين يفتح فمه وينطلق في الكلام، إذ إن هذا الرجل قادر على التلاعب بالجميع وزرع الأكاذيب والدسائس بسهولة بغية الوصول إلى ما يريد.
وبالعودة إلى السياسة، كان مفاجئاً أن يستخدم الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في مؤتمر صحافي، بعدما تم الاتفاق على حق الجمهورية الإسلامية في إيران بامتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، جملة مقتبسة من «لعبة العروش». كان بايليش قد رواها على مسمع نيد ستارك: «السلام نصنعه مع أعدائنا، ولهذا هو يدعى سلام».
لا يمكن لوم بايليش على ما فعله وما سيفعله، (لا ننسى أنه باع سانسا، ابنة نيد ستارك إلى رامزي بولتون، الفتى اللقيط السفاح المعتل نفسياً، بغية الحصول على تأييد عائلة بولتون له)، فمشروع بايليش مفهوم بالنهاية، وببساطة، هو رجل ينشر الفوضى ويقتنص الفرص الموجودة بغية «صعود السلم».
لكن اللغز الحقيقي يبقى فاريس الذي لا يعرف أحد تحديداً ما يريد؛ إلا أنه يحلو للكثيرين الافتراض بأنه من القلة ــ القليلة ــ الخيّرة في ويستروس، التي تبحث عن الصالح العام، وإنقاذ المجتمع، والتي يمكننا أن نثق بها وبمقاصدها. ولكن، في النهاية، إنها «غايم أوف ثرونز»، ومن يدري ما رسم العجوز جورج مارتن لنا ولشخصياته؟