بعد توقيع اتفاقية الخليل عام ١٩٩٨، بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات والعدو الإسرائيلي قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطاب، إنه يجب أن يخرج فرد من الشرطة الفلسطينية «كما خرج خالد الإسلامبولي (قاتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات) ليقول إن وجود عرفات على وجه الأرض عار». بعد هذه الخطبة، وجّه أبو عمار رسالة داخلية الى نصرالله قال له فيها «قد أكون خائناً، لكنني لست عميلاً». ما قصده عرفات في رسالته أنك تضطر أحياناً، كسياسي إلى خيانة بعض مبادئك التي آمنت وحاربت وكافحت لأجلها للحفاظ على رأسك (وجودك).

هذا الدرس، حاول أكثر السياسيين حنكة في ويستروس، اللورد بايلش تعليمه لحاكم «وينترفل» نيد ستارك، طالباً منه مهادنة الملكة الأم سيرسي لانيستر والملك الذي سينصّب حديثاً على عرش كينغزلاندنغ جوفري براثيون، إلى حين تمكنه من السيطرة وضمان ولاء حراس المدينة للانقلاب على جوفري.
لم يكتف ستارك برفض هذا العرض المنطقي ومشاركة بايلش في المؤامرة التي قد يستغلها أي سياسي يريد التربع على العرش الحديدي، عوضاً عن ذلك قرر مدفوعاً بشرفه وأخلاقيات أهل الأطراف (تقع وينترفل في أقصى شمال ويستروس) التوّجه مباشرة الى الملكة الأم سيرسي ومواجهتها وإخبارها بأنه عرف حقيقة جوفري بأنه الابن غير الشرعي لروبرت براثيون (الملك المحتضر) ولا يمكنه بصفته «اليد اليمنى» للملك قبول تنصيب ابن غير شرعي على عرش ويستروس. طلب منها أخذ أولادها والرحيل عن المملكة لأنها تعرف كيف ستكون ردة فعل روبرت، ولا يريد تحمّل وزر دمها ودم أولادها.
لم ترق الفكرة سيرسي، التي تعرف أصول اللعبة السياسية في «ويستروس». فقالت له «في لعبة العروش، إما أن تفوز أو أن تموت، ليس هناك من حلٍّ وسط»، وتواطأت مع اللورد بايلش، وسُجن ستارك بعد وفاة روبرت، وخُوّن ووضع رأسه على المقصلة.
في آخر لحظات حياته، قرر حاكم الشمال خيانة مبادئه وشرفه والحقيقة وأن يكون براغماتياً، وأقرّ خلال محاكمته بأنه خان جوفري، وكان ينوي الانقلاب عليه. لكن، وبرغم من تلاوته فعل الندامة على الملأ... قُطع رأسه.
فالسياسة، كما وصفها الكاتب المصري أنيس منصور هي «فن السفالة الأنيقة»، ولكي تكون سياسياً في الممالك السبع، أو في أي مكان، عليك أن تكون سافلاً أنيقاً، وهو ما لم يكنه «أشرف رجل في ويستروس»، نيد ستارك أو وريثه ابنه الأكبر روب. قرر الابن المفجوع بمقتل والده شنّ حرب على آل لانيستر ثأراً له.
وقف أبناء الشمال مع روب، مدفوعين بعاطفتهم لمقتل زعيمهم ولالتزامهم بقَسَمهم لخدمة حاكم «وينترفل» بالإضافة الى تمسكهم بعصبيتهم المناطقية.
توجهوا جنوباً لإطاحة حكم جوفري ولاحتلال العاصمة. خلال الحملة العسكرية، كان روب مثل والده أخلاقياً، فحرص بعد معاركه، على معالجة أعدائه الجرحى كأنهم جنود في جيشه، بالإضافة الى حرصه على حُسن معاملة أسراه.
وبما أن «فرخ البطّ عوّام»، كان روب سياسياً فاشلاً فلم يناور أو يهادن عندما دعته الظروف السياسية إلى ذلك.
عدم إتقانه المناورات السياسية تسبب بخسارته نصف جيشه بعدما قرر إعدام حاكم كارهولد اللورد ريكارد كارستارك، الذي خالف أوامره وقتل أحد أسرى آل لانيستر انتقاماً لمقتل ولده.
حينذاك حاول المقربون منه (أمه، زوجته وأخواله)، إقناعه بالعدول عن خطوته، لأن قتل ريكارد ستارك سيتسبب بانسحاب أنصاره من الجيش ويدفعهم إلى التحالف مع أعداء روب لقتله سيدهم.
لم يقتنع «الذئب الصغير» بالفكرة، ورد على مجلسه الوزاري المصغر بالقول «لا يمكنني أن أكون خادماً للعدالة، ولا أطبق العدل بين رجالي». قطع روب رأس اللورد ريكارد بنفسه، فبحسب عُرف أهل الشمال، فإن الناطق بالحكم مُنفذه. فانسحب أبناء كارهولد من الجيش، وأجبر روب على وقف حملته العسكرية لإيجاد حليف بديل.
وأثبتت التجارب في عوالم ويستروس وفي عالمنا أيضاً، لتكون سياسياً بارعاً عليك أن تكون سافلاً، وخبيراً في الكذب والمناورة، لتستطيع مواجهة أو أقله مسايرة الملوك المتحاربين على العرش الحديدي.
وعندما قرر الملك المنصّب حديثاً على شمال ويستروس التوجه صوب آل فراي، للتحالف معهم واستخدام الجسر الذي يسيطرون عليه منذ ٦٠٠ عام، لاختصار الطريق لملاقاة جيش آل لانستير... اشترط حاكم ريفرلاند اللورد والدر فراي على روب أن يتزوج إحدى بناته للسماح له بالمرور. وافق الأخير على مضض، لكنه بعدنا نكث بوعده للورد فراي، قُتل روب بما عُرف بـ«العرس الأحمر»، حيث نكث فراي بعد تحالفه سراً مع آل لانستير بعُرف ويستروس القائل بإكرام الضيف، وقتل روب وذئبه، وأمه وزوجته. أثبتت تجارب آل ستارك والنتائج الدموية التي وصلوا إليها أنه لا أخلاق في السياسة، وأن عقلية أهل الأطراف المجبولة على الشرف والوفاء وكل الفضائل الأخلاقية، لا تصلح ولا توازي دهاء وحنكة وخبث الساسة سكان المدن.
أما الوحيدة من آل ستارك التي تعلمت هذا الدرس، بطريقة قاسية فهي سانسا الابنة البكر لنيد. فقد عاشت الفتاة ما يقارب عشر سنوات في العاصمة، بعيدة عن أهلها، وكانت على تواصل دائم مع «الثعلب» لورد بايلش، والمحنك تيريون لانيستر. هذه الفترة من عمر سانسا جعلتها تدرك كيف تُدار الأمور وكيف تركب التحالفات، وكيف يمكننا أن نتقاسم السرير مع الأفعى من دون أن تلدغنا.
فبعد ما مرت به سانسا في العاصمة، لم تعد الفتاة تثق بأحد حتى بأخيها غير الشقيق جون سنو. إعادة تشكيل شخصية سانسا التي أصبحت سياسية، تتآمر وتخطط سراً ظهر بشكل واضح في الحلقات الأخيرة من الموسم السادس. إذ لم تكترث بقتل شقيقهم الأصغر ريكون، وطلبت من جون اعتباره مقتولاً. ولأن الفتاة أدركت أنه لا عدو دائم ولا حليف دائم، طلبت مساعدة اللورد بايلش، بتوفير الدعم العسكري لجيش شقيقها في معركته الأخيرة ضد بولتون.
يقول «أمير» السياسة، نيكولو ميكيافيللي، إنه «لا يوجد أخلاق في السياسة». هذه العبارة تنعكس واقعاً عاشه أبناء ستارك الذين اعتقدوا بأن تصرفاتهم الأخلاقية قد تحافظ على رؤوسهم، وهو ما لم يحصل. فأرباب السياسة في ويستروس ببساطة بلا أخلاق وسفلاء، لكنهم أنيقون، أكبر دليل على ذلك هو اللورد بايلش.