لم يسبق أن شهد لبنان، ضمن احتفالية عيد الجيش في الأول من آب (أغسطس)، هذا الكمّ الهائل من الاستغلال التجاري الرخيص لهذه المناسبة. جرت العادة أن تتوجه الأنظار الى الملصقات الإعلانية التي تنشرها المؤسسة العسكرية، التي كانت غالباً ما تثير الجدل بجمعها أضداداً في السياسة والتوجه الوطني. هذا ما حصل العام الماضي، مع الملصق الشهير الذي ضم أكثر من 100 شخصية لبنانية، ليعبّر عما يسمى «الوحدة الوطنية»، لكن العديد من هذه الوجوه كان مثيراً للجدل وللانقسام الوطني أيضاً. وأمس، وحتى قبل أيام قليلة من موعد هذا العيد، دخل هذا «البازار» العديد من الشركات التجارية؛ من مطاعم، وسلع غذائية، وأدوات منزلية، وحتى محال مفروشات، وعيادات طب أسنان، وشركات طيران، وبنوك وحيتان مال.
تطايرت الشعارات من «شعبك كلو بحبك»، الى «يا حامي القلب»، و«معك منكسرلن سنانن»، و«ما فينا نقعد بلاك»

كل هؤلاء استثمروا، وأمعنوا استغلالاً في هذه المناسبة الوطنية، التي كانت ساحتها مواقع التواصل الاجتماعي، عبر التفنن بالملصقات الإعلانية المدفوعة Sponsored والأبعاد البصرية، والفيديوات أيضاً، كنشر منتجع شهير شريطاً تظهر فيه مجموعة من السباحين/ات وهم يرقصون على وقع النشيد الوطني الذي وضعه دي دجاي المنتجع. في الشكل، اجتزأت هذه الإعلانات التي كان الابتذال سمتها، تفاصيل تخص المؤسسة العسكرية كالبدلة المرقطة، أو الرينجر، والخوذة، واستخدمتها كخلفية لمنتجها. إحدى ماركات الزيوت النباتية مثلاً دمغت الخلفية بديكور لون البدلة العسكرية، وفي أسفل الإعلان قرأنا هاشتاغ «#مش_زيت_الشي»، أو مثلاً تم استبدال شريحة الخبز الخاصة بلحم البرغر بخوذة الجيش، أو ارتداء نادل في أحد المطاعم مريولاً شبيهاً بلون بدلة العسكر. أما في المضمون، فتطايرت الشعارات من «شعبك كلو بحبك»، الى «يا حامي القلب»، و«معك منكسرلن سنانن»، و«ما فينا نقعد بلاك»، التي أتت سطحية، وخالية من أي نفس إبداعي وترويجي.
وإذا كان الابتذال قد ساد الساحات الافتراضية التي تقيأت إبداعاتها، واستثمرت تجارياً على حساب الجيش اللبناني، فإنّ الأكثر فقاعةً كان بوستر «فيرجن» الذي احتكر الأنظار والنكات كلها! البوستر الكارثة بكل ما للكلمة من معنى، إذ استبدلت فيه صورة جندي لبناني بآخر صهيوني كان يراقب من منظاره المناورة العسكرية التي جرت في الجولان المحتلّ عام 2011. وبعد الضجة الافتراضية الكبيرة التي أشعلها البوستر، عادت الشركة وسحبت هذه الصورة وأصدرت توضيحاً بأنّ نشر الصورة أتى «عن طريق الخطأ»،، فيما أطلق مطعم لبناني شهير بالمشاوي، هاشتاغ فارغاً بعنوان «#يا_شاوي_أعدائنا». كل هذه الهمروجة لا يمكن قراءتها، إلا بعين التاجر الذي اتخذ من هذه المناسبة فرصة للتسويق لنفسه، وعرض منتوجاته، محاولاً تسليع المؤسسة العسكرية. انقض هؤلاء على الجيش، وليست المرة الأولى التي يستغل فيها لتحقيق شهرة ما، ودلق المشاعر الوطنية المزيفة، كحال الكليبات الغنائية والأوبريت الجامع المانع لأصحاب الشهرة من المغنين والممثلين.
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة في هذا الاستغلال التجاري الرخيص في بلد تتحكم فيه ثلة من حيتان المال، حوّلوه الى سوق كبير حيث كل شيء خاضع لمنطقه، فيما غالبية الشعب اللبناني ترزح تحت خط الفقر. لم نسمع قط بتصريح أو دعم مالي أو معنوي في السنوات الماضية، عندما استبسل الجيش في معارك حاسمة ضد الدواعش، وحتى في مواجهة العدوّ الصهيوني. أين كان هؤلاء المستثمرون عندما خُطف الجنود اللبنانيون، وذُبحوا أكثر من مرة إعلامياً وعلى يد الجماعات الإرهابية؟ أين هؤلاء اليوم من تفقير هذه المؤسسة وحاجتها الى التسليح؟ نسأل أصحاب البنوك والشركات الكبرى التي كان لها حصة في هذه الهمروجة، ماذا لو وفروا إعلاناتهم البائسة وباقي استثماراتهم التجارية، وجيروها الى الجيش لتزويده بالسلاح الثقيل؟ ويبقى اللافت الساخر في هذا السياق نشر السفارة الأميركية في بيروت شريطاً دعائياً عن «الدعم الأميركي للجيش اللبناني» والجهود التي تبذلها بلادها في هذا الخصوص لتسليح الجيش اللبناني بـ...«الخردة».