لا تنكمش منحوتات باسل سعدي (1970) عند جمود المادّة وحدودها. في معرضه الفردي الجديد «تحية إلى محمود حمّاد» الذي يستمر في غاليري «أجيال» (الحمرا ــ بيروت) حتى 20 آب (أغسطس)، يحمّل أعماله التسعة إضافات تجسيدية من الضوء والفراغات متكئاً على مساحة الجدران البيضاء. يرتبط هذا بقراره بالابتعاد عن يوميات الحرب السورية وموادها البصرية المباشرة التي يمكن أن تمنحها لعمله.
يتحدى صلابة المعدن، مقرباً مادته من هشاشة الورق وخفته
مسكوناً برأسه وبتساؤلات تتقاطع مع إشكاليات المدارس النحتية الغربية الحديثة حول المادة واللون، وأبرز وجوهها كحركية الأميركي ألكساندر كالدر، وتجريد البريطاني أنطوني كارو، أنجز بحثاً تقنياً ونظرياً حول المادة وشكلها وثنائيات الضوء والظل والامتلاء والفراغ، متخلياً عن التأثيرات الواقعية التي رأيناها في أعماله التجريدية السابقة. في علبه المعدنية الضيقة قبل سنوات، فصّل سعدي فضاءات بديلة عن المساحات الخارجية حيث كان يتمنى أن ترقد تماثيله، محاكياً فوبيا النظام السوري من التجمعات العامّة. عمّر العزل على شكل سجون فردية مفصولة بطوابق معدنية حشرت فوق بعضها. تسرّبت الحرب إلى منحوتاته الكولاجية الأخرى حيث أفرغ بعض الأغراض المتبقية والمتطايرة من القصف على لوحاته. اهتدى سعدي أخيراً إلى مهربٍ من العنف، عبر المعدن. مادّة الصواريخ والطائرات والأسلحة وأسياخ المباني المهدّمة، صارت هي المخبأ من الحرب، وربما وفق طرحه هي الوسيلة للتغلب عليها بطريقة فانتازية. لا يخفي سعدي طموحه الجامح لتحدي الصلابة الشكلية التي يفرضها المعدن، محولاً شرائحه الحديدية الرقيقة إلى الورق وإلى فنون «الأوريغامي» الخفيفة والهشة. هكذا، يصبح معرضه الذي يهديه إلى التشكيلي السوري الراحل محمود حمّاد (1923 ــ 1988)، دليلاً وافراً لتطويع المعدن والحديد الخام، بالخفة والرقّة المنسابة على جدران الغاليري. إلى جانب المعدن، يواجه السعدي صلابة أخرى تتمثل بناءاته الهندسية المؤلفة من المثلثات بأحجام وأشكال متفاوتة. وإذ يترك مساحة في أعماله للعنف الذي يجلس على زوايا المثلثات المروّسة، فإنه يكسر هذه الحدّة في مطارح أخرى حين يلوي الزوايا ويكسر أشكالها العادية. يلجأ أيضاً إلى ألوان الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والأسود وإلى التنقيط، التي تعزز الحركة والإيقاع. حركة تبعث وهماً بصرياً ولونياً يرتكز على الإضاءة والتفريغ، لا يؤكد سوى على تمسك سعدي بالخفة والشاعرية كواقع بديل عن يوميات دمشق، حيث أنجز منحوتات معرضه.


* «تحية إلى محمود حمّاد» لباسل السعدي: حتى 20 آب (أغسطس) ــ «غاليري أجيال» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 01/345213