ليست مبادرة عفوية، بل «واعية تماماً». هكذا يشير تقديم «اتجاه» في عددها التجريبي الأول الذي صدر عن شهر آب (أغسطس). ثلة من شباب فلسطيني وطني تقدمي يرفض أن يخضع لثنائية الظلام بين المتقاتلين على السلطات الموهومة المفروضة بحكم الاحتلال، أطلق قبل سنتين في رام الله وبيت لحم ملتقى «نبض» الشبابي كإطار يعمل بصفة تطوعية علنية على خلق قوة تغيير إيجابي بين الشباب الفلسطيني، لإعادة الاعتبار لقضية التحرر من الاستعمار، وتعرية سردية خطاب أوسلو، والانخراط في النضال العالمي لمواجهة هيمنة ثقافة العولمة المتوحشة. التجربة أفرزت مبادرات عدة اجتماعية وثقافيّة وطلابية وتعاونية ومسرحيّة ونادياً للكتاب والقراءة وسلسلة محاضرات أسبوعية وإذاعة إلكترونيّة (تبث مرة في الشهر)، بالإضافة إلى موقع نشط على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، والآن جريدة «اتجاه». العمل التطوعي هو أساس الملتقى، نظريته الأساسية في القيادة أن «من يبادر يقود» بمعنى أن من يبادر إلى تقديم الفكرة يتولى قيادتها.
تغطية صحافية مشاكسة لقضايا اجتماعية محليّة بأقلام شبابيّة

«اتجاه» تقول إنّها ليست صحيفة ايديولوجية لكنها في الخندق المناهض للهيمنة والعنصريّة والتفريط والظلامية، وهي مع «الجنوب» ضد «الشمال»، وفي مواجهة حاسمة ضد النيو - الليبرالية المعولمة، لكن لا تذهبوا بعيداً: في العدد تغطية صحافية مشاكسة لقضايا اجتماعية محليّة ومقالات بأقلام شبابيّة عن الشأن الداخلي الفلسطيني، بل وقصص قصيرة. عصمت قرماز حاول «تقديم تحليل مادي تاريخي لحركات الإسلام السياسي»، وكتب أحمد قطامش عن «القضية الفلسطينية على أبواب مشروع جديد»، ومهند أبو غوش عن التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا تحت عنوان «لعّله خير»، وفارس الشوملي عن «غياب الأغنية الوطنيّة». الموقع الإلكتروني لـ «اتجاه» أشمل من نظيره الورقي ويحتوي عدداً أكبر من المقالات الجادة، إضافة إلى مجموعة نصوص ومقاطع مختارة من أدبيات اليسار العالمي والعربي. «اتجاه» تقول إنّها منفتحة على الحوار والتعدديّة وترحب بمشاركات الشباب من فلسطين وخارجها لكن «لا شيء لدينا سوى العقل الطليق، فلا إغراءات مالية ولا مكافآت ولا توظيفات». فالجريدة، - كما مبادرة نبض كلّها - قائمةٌ على مبدأ التطوّع، وقيمة تقديم الهمّ العام على الهمّ الخاص، والعمل الجماعي في مقابل الفرديّة.
ما زالت «اتجاه» في بداية الطريق بالطبع، وهي بحكم الشّكل الُمنتِج لها (الشبابي التطوعي) أقرب ما تكون للصحف التي يصدرها طلاب الجامعات، وفيها نزق الشباب وخفّته، لكن مجرد صدورها من فلسطين لهو من دون شك مبادرة شجاعة في مثل هذه الأوقات بالذات، وكسرٌ لحلقة «القعود على الرصيف» بعد غياب الوسائل الإعلامية النقدية والتحليلية من المشهد الفلسطيني وخفوت الصوت «الثالث» المختلف.
ردود الفعل الأولية على «اتجاه» تبدو مبشّرة حتى الآن. هناك التفاف من جيل الشبان حولها، وموقعها الإلكتروني الأنيق يحظى بزيارات متتابعة من فلسطين وخارجها. ولأن الجريدة «لا تشترى ولا تباع»، فقد طبع منها للتوزيع على نفقة الشبان ٥٠٠ نسخة، لكن الأمل بزيادة المطبوع مستقبلاً وربما التحول إلى إصدار نصف شهري هو على قائمة أولويات فريق الجريدة إلى جانب خطة العمل المعتمدة لإصدار مجلة فكريّة بطابع علمي في بداية العام المقبل. فلتأخذوا علماً، شباب فلسطين صار لديهم «اتجاه».
http://itijah.ps