مهّد المدعوّ فراس الحمزاوي طريقه نحو الفن جيداً. قدّم مقابل كل شبر أينع جمالاً، نذراً فنياً، قبل أن يحرث خطواته بمزيج من عرقه وجهده، بدءاً من أغنيته المعاصرة «أصابيع رجليك» مروراً برائعته الخالدة «لـ...زي لا ترجعي» وصولاً إلى أسطورة الغناء الحديث «البخش» ليقفل بالمقطوعة البديعة «إلعبلا بـ...»! يدير الشاب لعبته بتذاكٍ مفضوح، لكنّه يمرّ على القنوات التلفزيونية. حالما يُعلي سقف الابتذال تنهال عليه البرامج الفارغة التي تلهث وراء أي ظاهرة مهما بلغ انحطاطها. برامج رديئة تحولت إلى منبر ترويجي وبوق مجاني، يعزز هذا الهبوط المزري، ويقدّم له بروباغندا، معتقداً أن الابتذال والانحطاط الفني، هما بديل موضوعي للموهبة الحقيقية، والطريق الأسلم والأسرع للشهرة، وهذا ما يحصل غالباً بمساعدة بعض الفضائيات العربية.

في آخر جرائمه بحق الذوق العام والموسيقى، قدّم الشاب السوري نموذجاً ساطعاً على التحام القاع بالفن، ليس القاع بمفهومه البحثي كما تعرّفنا إليه في مجموعة من الأعمال الفنية والدرامية السورية، بل هو قاع الانحلال والصفاقة وتجسيدها في عمل واحد، يدّعي زوراً أنه أغنية شبابية تحمل طابعاً فكاهياً من حيث المظهر حيناً، وتتخذ من الجنس بأسلوب مبتذل مطية لمكاشفة «عميقة» و«صريحة»! طبعاً لا يمكن حتى من باب الإيحاء المرور على كلمات هذه الكارثة، ولن يفيد الحديث عن الذكورية وأمراضها المستعصية هنا. البضاعة تحتمل أكثر من ذلك بكثير، وتصلح لأن تكون نموذجاً لدراسة ما وصل إليه الفكر العربي من انحطاط، بعد موجات الذكورية والتعنيف والتحريض على الجريمة في الغناء الشعبي. ها هو الحمزاوي يقفل السكة ويصل آخر الطريق، ويعود عليه ماشياً متمهلاً من دون أن يسائله أحد، بل إنه يقدّم أغنية وطنية كلّما أتاح له وقته الثمين ذلك. وكي يكتمل عِقد الإجهاز على ما بقي من أخلاق ومعايير فنية، فقد سجّل فيديو إحدى أغنياته على يوتيوب أكثر من نصف مليون مشاهدة، والحبل على الجرّار! هذه الصدمة هي بمثابة جواب نهائي على كلّ من يتسلّح بمنطق الجمهور وحجم المشاهدات، بما أنّ مراهقاً أرعن بات قادراً على جذب الجمهور لمجرّد خلعه ملابسه الداخلية والظهور علناً بعد تصوير نفسه بكاميرا موبايل ثم تحميل المقطع عبر السوشال ميديا!
الحمزاوي نتيجة منطقية لموجة أغنيات شاحنات النقل ومراكز انطلاق الباصات التي سرت مثل النار في الهشيم منذ «بدي مصّك مصّة...» إلى «ليكي ليكي ليكي… إخت يلي عرفني عليك» وختاماً بـ «سوي تحليل الإيدز صدرك ذبلان»... فيا فرحة شرقنا السعيد بهذا الفنّ العتيد!