في طور تعبيد المواقع الإلكترونية الإخبارية والترفيهية، أمام متصفحيها، الطريق للولوج إليها، عبر البورنوغرافيا السيئة الاستخدام، وابتكارها أساليب تصيّد قد تصل إلى حد التخيّل وفبركة الأخبار والقصص (الأخبار21-11-2015)، وفي عصر الانحطاط الإعلامي الكامل، والوقوع في وحول اللامهنية واللاأخلاقية، بغية جذب القراء، تبرز مشهدية خطرة تظهّرت أكثرمع العصر الرقمي والتطور التكنولوجي الهائل. منصات التواصل الاجتماعي ـــ من فايسبوك وتويتر وغيرهما ـــ باتت تشهد اليوم، ضخّاً هائلاً للأخبار التي تتسم غالباً بالإثارة وتحوير الواقعة أو الحادثة المأسوية وتحويلها إلى فرصة لتقديم مادة رخيصة، تتخذ بشكل أساسي أجزاء مثيرة وحساسة من حياة المرأة وجسدها، لتكون خبزها اليومي. هذه المشهدية باتت مع الوقت ــ ومع ما نشهده من جرائم عنف أسرية هائلة بحق المرأة، وغياب القانون والتشريع الرادع بحق المجرمين ــ تنذر برسم مسار عنفي آخر يسلّع المرأة جسداً، وصولاً إلى تفريغها من كيانها وقيمتها الإنسانية لتضحي مع الوقت أرضاً خصبة للتعنيف والتهميش.

ولنكون أكثر واقعية، رصدنا في الأيام الفائتة، كمّاً لا بأس به، من الجرعات التي تقدمها هذه المواقع الإلكترونية، وتمهد لثقافة عنفية بحق المرأة وحتى الأطفال وكل الفئات الضعيفة في المجتمع. على سبيل المثال، يورد موقع «لبنان 24» في تاريخ 25 تموز (يوليو) الماضي، العنوان الآتي: «جريمة مقززة... مارس الجنس مع ابنته تحت التهديد». وقبل يوم من نشر هذا الخبر، يعنون الموقع المذكور: «ماذا يحصل عندما تخسر المرأة عذريتها؟». وأرفق الخبر بصورة لامرأة مستلقية على السرير، نصف عارية، تتأمل خارج نافذتها. في اليوم نفسه، أتحفنا «لبنان 24» بهذا العنوان: «جريمة وحشية... استمع لنداء الشيطان وعاشرها فكان جزاؤه..».

فيديو «رجل صوّر شابة من أسفل تنورتها» لنرى «ماذا جرى»!

في معرض ترويجه لحلقة من «عاطل عن الحرية» الذي يتخذ من شهادات السجناء السابقين منصة لعرضها على المشاهدين، وإعطائهم العبرة اللازمة إن وجدت، فرّغ موقع mtv الإلكتروني شهادة أحد السجناء (محكوم بتهمة تسهيل الدعارة) المدمن للجنس، وضيّق زاويتها، فنشر صورة لفتاتين شبه عاريتين، ومفاتنهما ظاهرة، بوضعية من يُلقى القبض عليهما في جرم الدعارة. وعنون هذه الصورة: «أدمن الجنس، فأصبح قواداً». هنا، أزيح الهدف الأساسي، الإنساني من هذه الحلقة: عرض شهادة أحد السجناء السابقين، وتجربته الشخصية ليستحيل الخبر حفلة استغلال قوامها جسد المرأة. في 22 الشهر الماضي، نشر الموقع الإلكتروني لمحطة otv خبراً عن «مذيعة رفعت دعوى تحرش جنسي، ضد رئيس قناتها... والأخير يستقيل»، وأرفقه بصورة لرجل يضع يده على فخذ امرأة. وفي اليوم نفسه، دعتنا قناة «الجديد» إلى مشاهدة فيديو «رجل صوّر شابة من أسفل تنورتها» لنرى «ماذا جرى».
ما سبق عيّنة بسيطة من بحر افتراضي، تسبح فيه أخبار رخيصة، يكون المتلقّي/ة على تماس معها يومياً. أخبار تشيِّئ المرأة وتسلّعها، وتستعرض حوادث عنفية إجرامية ذات شق إنساني وقانوني، لتفرّغها من سياقها ومضمونها الأساسيين. بدلاً من ذلك، تحبك قصة قوامها الإثارة، ناشرةً مواد تغيب عنها المهنية والأخلاقيات الإعلامية، ويحضر فيها بقوة سياق خطر قد يودي بنا، إلى طريق عنفي خصب.
لا شك في أن تسليع المرأة وتعنيفها موجودان منذ الأزل، مع ثقافتنا كشرقيين/ات، عبر الإعلان والإعلام. واليوم، هو يتخذ من المنصات الافتراضية الاجتماعية مطيّة لإمرار هذا الأمر. أسهم في ذلك غياب القانون والمحاسبة إزاء ما يضخ يومياً من شاكلة هذه المواد. في حديث مع «الأخبار»، تعيد أستاذة علم النفس الاجتماعي ماجدة حاتم إلقاء الضوء على غياب القوانين والتشريعات المؤسساتية التي تلجم هذا النوع من الممارسات والنشر. تلفت إلى أهمية اللاوعي عند المتلقي، حيث تطبع داخله كل الصور وما يتلقاه ويدركه خلال النهار، لتظل عالقة في هذا المكان. تدخل هذه المواد تدريجاً من الوعي إلى اللاوعي. وهنا، تكمن الخطورة من وجهة علم النفس كما تؤكد. خطورة لا تكمن فقط في رغبة أصحاب هذه المواقع بجلب المزيد من القراء، بل بترّسب هذه المواد «التي تلّوث لاوعينا»، في أذهان المتصفحين/ات، واستخدام أجزاء من هذا «التخزين» لاحقاً في حياتنا اليومية. هكذا، تضحي الأرض خصبة لممارسة العنف ضد المرأة، في استباحة واضحة لكيانها، وللطفل وكل الفئات المهمشة في المجتمع. هذا العنف يجعلنا نتآلف معه مع مرور الوقت كما تشرح حاتم. وهنا تعطي مثالاً مسلسل «باب الحارة» الشامي، الذي يرسّخ ثقافة خاصة، عبر استخدام مصطلحات مهينة بحق المرأة، تمر مرور الكرام، لا بل تتقبلها المرأة بابتسامة ورضى، كأن ينهر الزوج زوجته ويقول لها: «وليه يا حرمة!». هذا التقبّل للتعنيف اللفظي أو الجسدي، يولّد ــ وفق حاتم ــ بلادة لدى الجماعات، فتضحي صورة تعنيف طفل أو امرأة، عادية جداً، لا ينسحب عليها ردّ فعل مقابل.
المواقع الإلكترونية التي تسبح في فضاء عام، بلا قيود، تشكل موادها خطورة أكبر على المستخدمين، مع سهولة الولوج إليها، والتعرّض لضخها اليومي للصور المسيئة، بغية «جعل الجماعات قابعة في زاوية واحدة لا غير». والمقصود هنا اتخاذ أجزاء من جسد المرأة مساحة لصناعة الأخبار الرخيصة وضخّها.
إذاً، في غياب القوانين، والروادع الأخلاقية والمهنية، وإزاء ما نشهده من تشريع مباشر للعنف ضد المرأة، تكمن الحلول كما تطرحها حاتم، في تنشيط التوعية لدى الناشئة والجيل الشاب، عبر برامج خاصة توعوية، تفضح هذا النوع من الاستخدام المسيء بحق المرأة، وأيضاً عبر إجراء سلسلة دراسات أكاديمية في هذا الخصوص، والأهم إعلاء الصوت عن هذه القضايا لا كتمانها، بغية «حماية لاوعينا».




كلينك ويموت

لا شك في أنّ المنظومة الذكورية أنتجت ظواهر وأسماءً معروفة، استخدمت الجسد والإثارة كي تبيع ويظل اسمها في آفاق الميديا ونيو ميديا. عارضتا الأزياء ميريام كلينك، ورولا يموت وجهان برزا أخيراً على الساحة، وإن كان لكلينك الباع الأطول في ذلك. العارضتان أتقنتا جيداً استخدام لعبة المفاتن الجسدية واللفظية لجذب الحديث وأنظار المتتبعين إليهما، لكن الفارق يكمن في أن كلينك تلعب بذكاء مع الإعلام، وتوقعه في شباكها كي تكشف سطحيته وخواءه للهاث خلف صناعة الفضائح، مع استغلال لأجزاء من جسدها بطريقة جمالية لافتة. في المقابل، ذهبت يموت، خصوصاً في كليبها الأخير "أنا رولا"، إلى لعبة أخرى، تلهث فيها هذه المرة خلف الشهرة، عبر استخدام مبتذل لجسدها في الحركة والكلام واللباس. ومع هذه الفوارق، تبقى المرأتان تعومان في المستنقع الذكوري نفسه الذي أنتجهما، ودفعهما إلى الوقوع في فخاخه.