منذ تخرّجه من قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق عام 2003، لم يبتعد رأفت الزاقوت (1977) عن الخشبات ممثّلاً ومخرجاً. المسرحي والسينمائي السوري التزم منهج البحث وطرح الأسئلة على الذات ثمّ على الآخر، ممارساً اللعبة ومعلّماً لها داخل المعهد وخارجه. أحبّ ورش العمل مع الهواة. درّس في المعاهد والجامعات الخاصّة مثل «أورنينا» و«الجامعة العربيّة الأوروبيّة». آمن بالفرق المستقلّة المتحرّرة من الوصاية وحسابات الرقابة. أسّس فرقة «باب» للفنون المسرحية، التي انفتحت على تجارب وتيارات كمختبر لا يهدأ. عروض مثل «غيرة الباربويه» و«الجمعيّة الأدبية» و«قصة حديقة الحيوان» حققت حضوراً لافتاً. على الرغم من بضعة أعمال تلفزيونيّة، إلا أنّ الزاقوت لم يجد نفسه في هذا المعترك. لا يمكن وصف مشواره على الشاشة الصغيرة بالناجح تماماً. بعد مارس (آذار) 2011، انخرط في الحراك السوري. شارك في المظاهرات الشعبيّة. أنجز ويب دراما ساخرة بعنوان «الشبّيح الأول». بدأت الفروع الأمنيّة بالسؤال عنه، فغادر إلى الخارج.

في عام 2012، عاد الزاقوت إلى ولعه بالفرق الجوّالة. تسلّل إلى «منبج» في ريف حلب، ليقدّم عروض دمى وشارع، متعرّفاً إلى جمهور مختلف. فُتِنَ بالحراك المدني في مدينة فواز الساجر التي كانت خاضعة لسيطرة «الجيش الحر». ثمّة عدد من الصحف والمجلات، إضافةً إلى فرق مسرحيّة، وشباب راغب بالمزيد من التعلّم والاحتراف. سريعاً، أخرج الكاميرا، وصوّر بعضاً من مشاهداته. طار عائداً إلى بيروت، ليعرضها أمام صديقين. لم يتأخّر الثلاثة في الاتفاق على العودة إلى منبج والاشتغال مع شبابها. هكذا، تبدأ الإقامة في «هوم». بيت ريفي بسيط تحوّل إلى مركز ثقافي صغير، ومقرّ للتدريب والرقص والرسم والضحك والسهر. كذلك، يصبح «هوم» (2015 ــــ 70 د ـــــ بالتعاون مع مؤسسة «هينرش بُل ــ مكتب الشرق الأوسط») عنواناً لباكورة رأفت الزاقوت في الوثائقي الطويل. يصفه المكان كراوٍ للشريط: «دار قديمة. مصطبة مثل خشبة المسرح، وكثير من الحب». بين إقلاع طائرة الخطوط الجويّة التركيّة وهبوطها، والسرد المشطور إلى ما قبل دخول «داعش» إلى منبج وما بعده، يرافق رأفت ثلاث شخصيات: أحمد المحب للمسرح والتشكيل والرقص «شامة على جسد رقصة ما بتخلص»، وتاج مدرّس الرسم الذي التحق بالجيش الحر «ملاكنا الحارس بهالرحلة»، والملازم المنشق محمد الذي يحبّ فتاة من الطائفة العلويّة، ويحلم بموافقة أهلها على زواجهما بعد «الثورة». «وجه طفولي حالم من النوع اللي ممكن يقوّص رجلو لياخد إجازة ويشوف حبيبتو». هكذا يرى الزاقوت «فرسانه» الثلاثة. يتعرّف إلى ما كان يجهل عن البيئة والمكان ومكانة الدين ويوميات المدينة. يشعر بطعم الصدأ في فمه إثر قصف الطيران. يكتسب معارف من قبيل: «اللي بيسمع صوت الميغ بكون نجي، لأنّو الميغ أسرع من صوتها». يلتقط شعارات «ثوريّة» ملقّنة للأطفال، كما دأبت منظّمة «طلائع البعث» على الفعل عبر عقود. يواكب تحوّلات مرافقة لزحف «داعش». اضطرابات أمنية. تحفّظ متزايد. غول يهيمن كظل مرعب. وجه الملازم محمد يكتسب سحنة الحرب الضروس. تاج يبتسم بمرارة لدى سؤاله عن القتل المتبادل. في غرفة واحدة، يجتمع مسرحيون ومتظاهرون سلميّون و«جيش حر» و«داعش». لا أحد يفهم شيئاً في حفل الجنون السوري الذي يواصل الاستعار بنجاح منقطع النظير.

منحه «مهرجان مرسيليا السينمائي الدولي» جائزة الأمل
يمكن تلمّس شخصيات شكسبير التراجيديّة، ضمن مناخ يروم بين كافكا ولافكرافت، وبراءة مسرحيات الأطفال. تساعد على ذلك كثرة لحظات الصمت والتأمّل في الفيلم. بعد «داعش»، حلّ الطلاء الأسود بدل بخّاح «حريّة» الأحمر. لجأ أحمد ومحمد إلى «منفى» قسري في تركيا، فيما واصل تاج القتال رغم إصابته. أحمد تشبّث براية الفن. تاج أحضر معه أحد عناصر التنظيم المتطرّف ذات يوم. في رصد تحوّلات الفرد الحادة خلال الحرب السوريّة، يسير «هوم» على خطى «العودة إلى حمص» (2014، 94 د.) لطلال ديركي، الذي واكب عبد الباسط الساروت طويلاً.
لم يعرف السوريّون بعضهم جيّداً قبل الحرب. الصورة النمطيّة عن منطقة نائية مثل منبج، لم تكن في صالح الانفتاح والفنون. «هوم» يتولّى مهمّة التعريف بتنوّع الريف السوري وبعده عن التطرّف، كما فعل كل من «دفاتر العشاق: حيطان سراقب» (2014، 55 د.) لإياد الجرّود، و«خلف اللون الأبيض» (2014، 57 د.، صوت راية) لفراس فيّاض داخل الريف الإدلبي. الأول وثّق جوانب من حراك مدينة «سراقب»، والثاني جال مناطق «دركوش» و«جسر الشغور» وغيرها. بالعودة إلى منبج نفسها، لا ننسى الوثائقي القصير «حمّام» (2013، 4 د، إنتاج مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية)، الذي أنجزته عليا خاشوق. تذهب الكاميرا مع الطفل محمد إلى مكبّ النفايات للبحث عن مواد قابلة للاشتعال بغرض تسخين المياه. يرجع الصغير إلى عائلته للانضمام إلى الاستحمام الجماعي مع اخوته. هو عينة من الأطفال الذين حرمتهم الحرب السورية من التعليم، وأجبرتهم على حياة غير لائقة.
«هوم» مفتّش عن الجمال والبساطة داخل النفس وفي المحيط. عدسته تبحث عن المنمنمات الجميلة، وتتحمّس للأحلام الصغيرة. صاحبه يتقبّل المختلف عنه، آملاً حصول المثل في المقابل. هو متفائل بالمستقبل «زيادة عن اللزوم» كما يصفه أحد الشباب. هذا آت من شخصيته الحقيقية، ما قد يدفعه، عن قصد أو من دونه، إلى التغاضي عن معطيات لا تنسجم مع رؤيته الحالمة. بطبيعة الحال، يكبر «هوم» ليصبح سوريا مصغّرة بكلّ الحب والحلاوة والصفاء والحزن والمكاشفة والتناقض. إذاً، لا غرابة في قيام «مهرجان مرسيليا السينمائي الدولي» FID Marseille بمنحه «جائزة مرسيليا للأمل».
بعد طرد «داعش» من منبج أخيراً، تبدو استعادة «هوم» حارّة وراهنة. تُطرَح الأسئلة حول مصائر ومواقف أبطاله اليوم. فنيّاً، تبقى الإشارة إلى إمكانية شدّ الإيقاع، وتخليص لحظات معيّنة من بعض الترهّل والتطويل.