كانت أيام قليلة قد مضت منذ أن نفذ اليمين التشيلي انقلابه في ١١ أيلول (سبتمبر) ١٩٧٣ على الحكومة الاشتراكية المنتخبة برئاسة سلفادور الليندي، عندما استدعيت جوان جارا زوجته البريطانية الأصل إلى مشرحة سانتياغو للتعرف إلى جثة الشاعر القتيل. تقول جوان في مذكراتها إنّ «المشرحة كانت مكتظة بالجثث في كل أجزاء المبنى، حتى في المكاتب والممرات. جثث شبان في مقتبل العمر يبدو من ثيابهم أنهم طلبة جامعيون، كانت ملقاة على الأرض بينهم كان يرقد فيكتور جارا (1932 ــ 1973). برغم الجرح الغائر في رأسه، كانت عيناه لا تزالان مفتوحتين ومليئتين بالتحدي. كان صدره مطرزاً بالثقوب وجرح كبير في بطنه. هذا فيكتور زوجي وحبيبي».

فيكتور جارا كان شاعراً ومخرجاً مسرحياً ومغنياً وأستاذاً جامعياً مرموقاً. انخرط مبكراً في العمل السياسي والنضال الاجتماعي من أجل تشيلي أفضل. كان أحد أركان تحالف الوحدة الشعبية بقيادة الزعيم سيلفادور الليندي الذي حكم تشيلي لثلاث سنوات، انتهت بالانقلاب الذي دبرته المخابرات الأميركية عام ١٩٧٣.
جارا كان مثقفاً من طراز رفيع، يؤمن بقدرة الثقافة الشعبية على بناء الوعي الثوري، وهو كان الصوت الأعلى في مواجهة الإعلام الرأسمالي اليميني في تشيلي الذي حاصر حكم الليندي ولم يعطه صوتاً. أغانيه ومسرحياته التي أخذها إلى الشوارع والملاعب في حفلات مجانية، كانت تستهدف كسر هذا الحصار وربط الجمهور العادي بالسياسة. جارا ومعه آخرون منهم الشاعر بابلو نيرودا، والرسام روبيرتو ماتّا كانوا بمثابة زعماء ثقافيين للجمهورية الاشتراكية الصاعدة.
أغنيات جارا كانت كلها عن الثورة والعمال والعائلة والأرض والحب، بل أيضاً الرموز الدينية لشعب معروف بتدينه العميق. مثلاً نشيده «قَسَمُ العامل» كان بمثابة منشور ثوري يوحد العمال والفلاحين ومهمشي تشيلي في جبهة واحدة مع يساريي الليندي. هذا بالطبع لم يفت على قوى اليمين التشيلي الرجعية. لكن جارا صار هدفاً مباشراً عندما غنى عن «الفلاحين في بيرتو مونت» وهم الذين قتلهم بوليس وزير الداخلية بعدما رفضوا الخروج من أرض خاصة أقاموا أكواخهم الرّثة عليها. قتل وقتها عشرة فلاحين عزّل بينهم طفل، فغنى جارا: «كل أمطار الجنوب لن تغسل يديك يا سيد بيريز زوجوفيك». ما لبث الثوار اليساريون أن اغتالوا السيد زوجوفيك، واعتبر اليمين حينها أن جارا كان المحرّض المباشر على اغتياله.
في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ١٩٧٣، نفذ اليمين التشيلي انقلاباً عسكرياً على الحكومة الشرعية المنتخبة في البلاد بترتيب ودعم و تنظيم المخابرات المركزية الأميركية، وهذا أمر أصبح تاريخاً الآن وكشفت عنه الوثائق الأميركية المفرج عنها. بالطبع لا يريد الأميركيون حكماً يسارياً في أميركا اللاتينية التي كانت تسميها الصحافة الأميركية حديقة واشنطن الخلفيّة. كان سيلفادور الليندي قد ارتكب كل المحرمات الأميركية واحدة واحدة: التأميم وإصلاح ملكية الأراضي وإعادة توزيع الثروة فبدأت الأمور تتغير في تشيلي وتحولت إلى مصدر إلهام لشعوب أميركا اللاتينية كلها، فكان القرار بإسقاط نظامه.

أغنياته عن الثورة والعمال والعائلة والأرض والحب، والرموز الدينية لشعب معروف بتدينه

رفض الليندي الاستسلام وقاتل بشجاعة في القصر الرئاسي حتى استشهد. كانت المخابرات الأميركية قد أعدت قوائم بأسماء اليساريين الذين يجب تصفيتهم لضمان سقوط النظام نهائياً. وهكذا انطلقت قوات الانقلابيين تجمع هؤلاء من بيوتهم وأماكن عملهم وجامعاتهم وأرسلتهم إلى ستاد المدينة الرئيسي. أكثر من ٣١٠٠ من خيرة شباب تشيلي عذبوا تعذيباً بشعاً وقتلوا بدم بارد وهم عزّل في ذلك الملعب الحزين.
فيكتور جارا كان أحد هؤلاء مع حوالى ٨٠٠ من طلبة وأساتذة جامعة سانتياغو. اتصل بزوجته يوم حدوث الانقلاب من الجامعة، وقال لها إنّه سيبقى هناك لأن الطرق مقطوعة والجيش ينفذ منع تجول. قال لها أن تبقى في البيت وتعتني بنفسها وبابنتيه. كان ذلك آخر عهدها به، إذ استُدعيت بعد أيام للتعرف إلى جثته وسمحوا لها بأخذه ودفنه شريطة أن يتم ذلك بسريّة تامة.
في المحاكمة، تحدث أحد الجنود الصغار الذين نفذوا أعمال القتل. قال إنّ المتهم بيدروا بارينتوس وضع مسدساً في رأس فيكتور وهو يلعب روليت على الطريقة الروسيّة فقتله. الجندي التافه، الذي انتهى طباخاً تعيساً في مطعم أميركي، قتل نجماً أكبر من الحياة نفسها وهو يضحك. بعض الناجين القلة من المذبحة قالوا إنّ ساعات حياة فيكتور الأخيرة كانت مليئة بالتحدي. هو كتب قصيدة «ستاد تشيلي» يهجو فيها سجانيه وأسيادهم الأميركيين، وقد نجح بعض الشجعان في تهريبها ونشرها. ويقال إنّه عندما وضع القاتل المسدس في رقبة جارا ويداه مكبلتان، وقف البطل يغنّي للثورة والحرية وتشيلي. أطلقوا عليه ٤٤ طلقة ليسكتوه. أصابعه الطويلة الجميلة التي كانت تعزف الغيتار، كانت مشوهة بالرصاص. إنه الحقد الأسود على كل ما كان يمثله جارا كرمز.
جوان جارا (٨٨ عاماً اليوم) أمضت أكثر من أربعين عاماً مع ابنتيها مانويلا وأماندا يطاردن القتلة في المحاكم. تكتب عن جارا وتنشر أعماله. بعدما تجرأ فريق تلفزيوني من تشيلي على الكشف عن مكان إقامة القاتل الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وحصل على جنسيتها، رفعت جوان دعوى عليه في فلوريدا مستفيدة من قانون أميركي فيدرالي يسمح بمعاقبة الأميركيين مرتكبي جرائم ضد حقوق الإنسان. بعد أربع سنوات من المداولة، دانت المحكمة القاتل أخيراً، وكلفته بدفع ٢٨ مليون دولار كتعويضات. لكن جارا وابنتيها لن يحصلن على شيء لأن الرجل معدم تقريباً، والسلطات الأميركية التي دبّرت الانقلاب، لن تبادر بالطبع إلى تسليمه للحكومة التشيلية، لأن ذلك سيكون بمثابة إقرار بالذنب عن الجرائم الفظيعة التي ارتكبها انقلاب بينوشيه البغيض.
هو إذن انتصار شكلي لا أكثر، وقرار فارغ المضمون. العدالة لن تتحقق لأن القتلة الحقيقيين في الإدارة الأميركية طلقاء، والأدهى أنهم ما زالوا يمارسون جرائمهم في كل مكان حول العالم.
فيكتور جارا، صوت فقراء تشيلي الذي غنى للبطل تشي غيفارا وفيتنام وهي تقاتل الأميركي، وتحدث شعراً مع صديقه «الشاعر» هو شي مينه، تعيش موسيقاه وأغانيه وقصة حياته وموته دائماً لتلهم أجيالاً من الحركات اليسارية والثائرين والمثقفين في أميركا اللاتينية والعالم، وسيذهب في ضمير الحياة والفقراء كأغنية جميلة، حزينة لم تكتمل.