لا يحدث الأبطال بالمصادفة. الحملة غير المسبوقة في الإعلام الغربي للترويج ليسرا مارديني تثير الاستغراب. ربما تكون الفتاة سبّاحة ماهرة أنقذت عشرات اللاجئين، إلا أنّ أسلوب السرد وطريقة التغطية والدعم الهائل تذكرنا فقط بقصة نيرة الصباح ابنة السفير الكويتي في واشنطن. إنها لعبة واشنطن القديمة في التلاعب بالعقول والقلوب عن طريق الخداع من خلال فن العلاقات العامة - أي البروباغندا أيها السادة.

لم يسمع كثيرون في العالم العربي باسم إدوارد بيرنيز (١٨٩١ - ١٩٩٥)، لكنه يعد في الأوساط التي تعمل على قضايا التأثير والسيطرة، الأب الروحي لفن العلاقات العامة الأميركي. وضعته مجلة «لايف» ضمن قائمة أهم مئة شخصية أميركية مؤثرة في القرن العشرين. الرجل كان ابن أخت سيغموند فرويد. درس نظريات خاله عن النوازع الجنسية للسلوك البشري والتحليل السيكولوجي، وربطها مع نظريات غوستاف لو بون وويلفريد تروتر عن ثقافة «القطيع» البشري، وطبقها في عمله في إدارة الرئيس ويلسون. كان بيرنيز وقتها يعمل ضمن لجنة المعلومات العامة، ويعتقد أنه وراء بيع الجمهور الأميركي فكرة أنّ إرسال القوات الأميركية إلى الحرب في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى كان «من أجل نشر الديمقراطية». أعجب الرئيس ويلسون بذكاء بيرنيز وأفكاره، وطلب إليه أن يتولى إدارة الدعاية الأميركية وقت الحرب، وكلّفه أيضاً بحضور «مؤتمر باريس للسلام» في ١٩١٩. لم يصّدق بيرنيز كيف كانت خدعه الكلامية بشأن السلام والديمقراطية وتقرير المصير تلقى آذاناً صاغية، بينما مصالح الإمبراطوريّة الأميركية تتحقق على الأرض. عندما عاد إلى الولايات المتحدة، بدأ يروج لما أسماه بالعلاقات العامة، لأن لفظ البروباغندا الذي استخدمه الألمان في الحرب، كان قد اكتسب سمعة سيئة. ملخص عقيدة بيرنيز كان أن الرأي العام غبيّ ولا يعتمد عليه، وإذا تُرك الناس ليقرروا ما يشاؤون، فسينتهون حتماً إلى انتخاب الشخص الخطأ. لذا، فلا بد من توجيه هذا الرأي العام من خلال قيادة تمارس نوعاً من استبداد متنور يعرف مصلحة الشعب ويدله عليه، مشكلاً رأي الناس وذوقهم وأفكارهم. نجاح بيرنيز الهائل في عالم السياسة جعله يفكر بأن المبادئ ذاتها يمكن تطبيقها وقت السلام أيضاً في مجال الإعلان وبيع منتجات الشركات الأميركية الكبرى. هكذا انتقل إلى عالم الدعاية والإعلان ونجح هناك نجاحاً خيالياً، موظفاً فهمه المتزايد للسيكولوجيا الجماعية في جمع الملايين. بيرنيز سمى الطريقة العلمية في تشكيل الرأي العام بـ «هندسة الموافقة».
تقنيات بيرنيز غيّرت الثقافة الأميركية وقتها. استنجدت به شركات السجائر لأن النساء كنّ في العشرينات لا يقبلن على التدخين بسبب الرفض ألاجتماعي لصورة المرأة المدخنة. نظم بيرنيز مسيرة لمئات السيدات الخارقات الجمال وهن يدخّن ما أسمينه «مشاعل الحرية». كانت تلك نقطة تحول جذريّة في إقبال النساء على التدخين وكسر التابو الاجتماعي غير المربح. كانت طريقته في بيع أفكاره للشركات، تتمحور حول تشكيل الرأي من خلال تمرير المعلومة ضمن نشرات الأخبار لا من خلال الإعلان الصريح: طلبوا منه أن يروج لمبيعات الباكون في أميركا، فنظم حملة من عشرات المقالات (التي تبدو بريئة) للترويج لفكرة الفطور الصباحي (لم يكن التلفزيون قد انتشر وقتها) وعناوين صحف نقلت عن دراسات طبية (مدفوعة الأجر) تصريحات مرعبة حول أخطار عدم تناول وجبات ثقيلة بعد النوم الطويل. وفجأة تجد مبيعات البيض والباكون وقد عانقت السماء. لقد أقنع بيرنيز الأميركيين أن الإفطار الأميركي الحقيقي يتكون من البيض والباكون! لكن أكبر ضحاياه كان الرئيس الغواتيمالي المنتخب الجنرال جاكوبو آربينز، الذي تعارضت سياساته الإصلاحية مع مصالح شركة الموز الأميركية «يونايتد فروت» (اسمها اليوم تشكيتا) فكلفته الحكومة الأميركية بحملة لتشويه صورة الرجل. هكذا انتشرت عشرات المقالات في الصحف والمجلات عن الزعيم الشيوعي في غواتيمالا الذي كان بالطبع مجرد عسكري وطني أكثر منه مناضلاً ثورياً، وهكذا تهيأت الأرضية لتدخل أميركي آخر بغيض أطاح بالحكومة الشرعية المنتخبة في البلاد.
حوّلت الإدارة الأميركية أفكار العلاقات العامة التي أطلقها بيرنيز إلى أسلوب عمل وطورت أدواته وأساليبه إلى حد الاحتراف المذهل خلال الأربعينات وفترة الحرب الباردة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لم يعد العمل يستهدف التأثير بالرأي العام فحسب، بل تشكيل هذا الرأي من حيث المبدأ. وقد ساعد نشوء المخابرات المركزية الأميركية في هذه الأوقات على تأسيس منظومة ضخمة لإدارة جيش من الأتباع والعملاء - غير المعلنين طبعاً - بين كبار المثقفين والأدباء والفنانين والرسامين والصحافيين والموسيقيين في كل أوروبا والعواصم المهمة، غايتهم الترويج غير المباشر للمصالح الأميركية ومواجهة تمدد اليسار. ضابط أميركي كان يدير بعضاً من هؤلاء أقسم أنه لم يكن يحتاج إلى توجيه هؤلاء المثقفين لما يجب أن يعملوه، فقط كان يمدهم بالمال ويفتح أمامهم مجالات النشر وفرص الظهور في المؤسسات المخترقة من المخابرات المركزيّة الاميركية وهم يتكفلون بالباقي!
الشرق الأوسط كان دائماً مسرحاً لعمليات البروباغاندا الأميركية منذ حرب السويس في ١٩٥٦. لكن أول عملية خداع متكاملة في المنطقة - تم الكشف عنها - كانت أيام غزو الكويت. حينئذ بذلت وسائل الإعلام الأميركية - وظلها العربيّة - جهوداً منظمة كبيرة لشيطنة النظام العراقي وإظهار غزوه للكويت بأنه حرب ضد الإنسانية. هكذا كنا كل يوم نصحو على صورة جديدة عن جرائم النظام العراقي تقض مضاجع كل المعتدلين اللطفاء. كانت قمة السهرة عندما تحدثت فتاة كويتية صغيرة للكاميرات المشرعة على العالم أمام لجنة حقوق الإنسان في الكونغرس الأميركي، فقالت وهي تغالب دموعها إنها كانت ممرضة في مستشفى للولادة في الكويت وإنّ جنود الجيش العراقي دخلوا المستشفى، وأخذوا حاضنات الأطفال معهم إلى بغداد بعدما ألقوا بلا رحمة بالأطفال الخدج إلى الأرض كي يموتوا. صدّق العالم الأبله هذه القصة وعشرات غيرها، ومنحت الشرعية لجنود الإمبراطورية الأميركية لإقامة العدل في ذلك الجزء من الأرض.

سمى إدوارد بيرنيز الطريقة العلمية في تشكيل الرأي العام بـ «هندسة الموافقة»

بعد الحرب بأشهر، ذهب جون ماك آرثر صاحب مجلة «هاربر» الأميركية المعروفة لزيارة مكاتب منظمة «مواطنون من أجل كويت حرة» في واشنطن من أجل جمع معلومات لكتاب ينجزه. لكن ما رآه جعله يشك في كل شيء. تحدث آرثر في محاضرة له بعد ذلك عن الخداع الكبير: «للمرة الأولى، أدركت أن شيئاً غريباً كان يجري حين أخرج لي رئيس المنظمة عدداً كبيراً من صور «الفظاعات العراقية». تفحصتها وقلت هذه فظاعات شنيعة. كان هناك أشخاص وقطع غريبة من المعدن مغروزة في أجسادهم. كان المنظر رهيباً، ولكن الصور كانت مشوشةً قليلاً. تفحصتها مرة أخرى، وأدركت أن الأشخاص في الصور ليسوا بشراً وإنما مانيكانات. لقد صوروا مانيكانات على أساس أنهم ضحايا تعذيب الجيش العراقي». وقد كشف الصحافي نفسه أيضاً أن قصة الممرضة الكويتية مفبركة بالكامل من قبل شركة علاقات عامة متخصصة تدعى «هيل أند نولتون» تعمل من خلال واجهة «مواطنون من اجل كويت حرة» التي كانت تمولها الأسرة الحاكمة في الكويت. كما كشف ماك آرثر سراً آخر: «البنت الكويتية التي إدعت أنها ممرضة، لم تكن سوى نيرة الصباح ابنة السفير الكويتي في واشنطن!».
كانت شركة Hill & Knowlton حينها اكبر شركات للعلاقات العامة. مقابل ملايين الدولارات، لعبت دور العقل المدبر للحملة الكويتية ضد العراق. كانت أنشطتها تشكّل أكبر حملة ممولة خارجياً في التاريخ للتأثير على الرأي العام الأميركي. لكن الحكومة الأميركية المتواطئة اختارت السكوت. الرجل الذي كان يدير مكتب واشنطن للشركة كان كريغ فولر، صديق قديم لجورج بوش الأب. مهمة الشركة ببساطة كانت إقناع الشعب الأميركي - الذي لم يكن يرغب في إرسال أبنائه في مخاطرات عسكرية من اجل إنقاذ إمارة تحكمها عائلة فاسدة - بأنّ الرئيس العراقي صدام حسين شرير كبير، وجيشه خطر على العالم الحر ولا بد من التخلص منهما. توزع عمل الشركة وقتها بين فبركة قصص الانتهاكات والفظائع (العراقية) في الكويت وتسريب الصور (المناسبة) للإعلام من تلك البطة الغارقة في النفط التي اتضح لاحقاً أنها صوّرت في خليج المكسيك وصولاً إلى قصة ممرضة حاضنات الأطفال وعشرات مقاطع الفيديو وغيرها الكثير.
قلّت السّذاجة الأميركية في ما يبدو في إدارة أعمال الخداع في الشرق الأوسط. وهم في الحرب على سوريا أظهروا تحسناً ملحوظاً في إدارة المواد الإعلامية المفبركة والقصص الإنسانية المزعومة بل في التحكم بإيقاع المنظومة الإعلامية كلها تقريباً في المنطقة. سيأتي يوم بالطبع وتكشف فيه كل الأوراق عما قد يكون أكبر عملية خداع ربما في تاريخ العالم المعاصر. لكن حتى ذلك الحين، يجب أن نتحلى بشيء من روح النقد ونحن نسمع الإشادات المتقاطعة من كل وسائل الإعلام الأميركية - وظلها العربي - عن يسرا مارديني وبطولاتها الخارقة في البحر وعلى الأرض. بالطبع لا نمتلك معلومات دقيقة سوى أن السبّاحة كانت إلى وقت قريب ضمن الفريق الذي تديره اللجنة الأولمبية السوريّة. الباقي كله من قصة الهجرة بسفينة في بحر إيجه، وعملها البطولي الخارق في جر القارب الذي يحمل عشرات اللاجئين أربع ساعات في المياه العاصفة نحو الأمان، ومن ثم كيف تفتحت أبواب السماء، فتنتقل الصبيّة بقدرة قادر إلى ريو برعاية شركة «فيزا» العالمية مع تصوير فيديو كليبات عدة لها وهي تنقذ اللاجئين في البحر - لزوم تسلية الشعوب المسكينة - فهذا كله يجب أن يثير بعض الشك لأنه شديد الشبه بسلوك شركات العلاقات العامة الأميركية إياها. ربما ستفوز مارديني بميدالية ذهبية لمزيد من استغلال القصة ضد الحكومة السورية. لا ندري ما القرار الأميركي النهائي بعد، لكن هذا أمرٌ - على منوال أختها نيرة وأخريات لم تعلموهن ــ قد دبّر بليل. إنه عالم العلاقات العامة الأميركي يضرب من جديد، قريباً من غواتيمالا لكن في ريو دي جانيرو هذه المرّة.