المشاهد الأولى التي افتتحت بها سلسلة «2006» (إعداد وإخراج عباس فنيش ــ إنتاج «الميادين») على قناة «الميادين» قبل أسبوعين، وأُخرجت للضوء للمرة الأولى منذ 16 عاماً، تظهر مقاومِين يسبقون المدنيين لدخول القرى المحررة، ومواقع العملاء بعيد الاندحار الصهيوني عام 2000. تلك الدقائق القليلة كانت كفيلة بأن تشي بأهمية هذه السلسلة الوثائقية ونوعيتها.

السلسلة التي تنتهي بعد غد السبت، كان لجزءيها الأوّلين الصدى الأوسع في لبنان وحتى في الأراضي المحتلة. حالما انتهى الجزء الأول، تصاعدت أصوات عائلات الجنود الأسرى السابقين، وحظي هذا الجزء بتغطية لافتة في الإعلام العبري، كما أسلف زميلنا يحيى دبوق في مقالته «وثائقي 2006 يلسع إسرائيل: إعادة تظهير الفشل الاستخباري والعملياتي في مواجهة المقاومة» (الأخبار 3/8/2016). في هذا المقال، تحدث دبوق عن الهستيريا التي أصابت الجسم الإعلامي وحتى السياسي في الأراضي المحتلة، جراء تقديم مادة وثائقية تعرّي من جديد الفشل الصهيوني في حرب 2006، وتظهر تخبّط شخصيات ظهرت في هذا الشريط لها ثقلها في «إسرائيل»، وما أدلت به على الكاميرا ومساهمتها في تظهير تفوق المقاومة، ثم ما فعلته بعد الضجة المثارة من تقديم اعتذار وتبرير للرأي العام الصهيوني.

الجزء الأخير يكشف كواليس عملية التبادل للمرة الأولى

إذاً، يكفي ربما إيراد ما حصل في الأراضي المحتلة بعيد عرض العمل حتى تتبدى أهميته الفنية والتوثيقية، وتحقيق أهدافه في إعادة سرد الهزيمة الاستخبارية والسياسية والعسكرية في تموز 2006، على لسان من كانوا في غرف القرار آنذاك: تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة، عمير بيرتس، وزير الأمن الإسرائيلي السابق، عامون يدلين رئيس بعثة الاستخبارات الإسرائيلية السابق، آيال بن رؤوفن نائب قائد المنطقة الشمالية السابق.
في الجزء الأول «ما قبل الحرب»، يعيد الشريط (50 دقيقة) التذكير بهمجية إسرائيل وعدوانيتها في دقائق معدودة قد تفي بالغرض منذ عملية الاجتياح في عام 1978، مروراً بعدوانَي 1993 و1996، وصولاً الى عام التحرير. تمهيد لا بد منه لإعادة سرد مسار المقاومة في تبنيها إعادة الأسرى ومحاولتها أسر جنود صهاينة منذ 2000. في هذا الجزء، يكشف بن رؤوفن عن خطة ضخمة كانت معدة سابقاً لمهاجمة «حزب الله» تحت عنوان «درع البلاد»، تمتد على محاور برية وجوية. في هذا الجزء، يطل الشهيد عماد مغنية مشرفاً على عملية أسر تموز 2006، وتكشف مشاهد للمرة الأولى مناورات المقاومين تحضيراً لهذه العملية النوعية. نرى الشهيد خالد بزي مهندس هذه العملية في المناورات ولحظة الصفر للتنفيذ. مشاهد حصرية آسرة لكل من تابع هذا الجزء، تكشف اللثام للمرة الأولى عن كواليس التحضير والتنفيذ للعملية الأمنية الشهيرة. على الجانب الآخر، كان حاضراً تومير فاينبرغ، الجندي الناجي الذي كان في الدورية العسكرية وقفز منها بعد الهجوم عليها. هنا، فُلترت أقواله كي تناسب سياق الشريط وهدفه، وعدم تحوّل شهادته الى مركز للاستعطاف.
أما الجزء الثاني «الميدان والسياسة» الذي عرض السبت الماضي، فيعيد سرد كواليس وتفاصيل المفاوضات التي حصلت آنذاك في الحكومة اللبنانية. وهنا، أخذ الجزء شهادتَي الوزيرين السابقين محمد فنيش ومروان حمادة، وكشف تسويق رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة للمطالب الأميركية بوقف النار. وفي المقلب الآخر، كان عمير بيرتس يتراجع في شهادته عن عبارته الشهيرة بـ«أن حسن نصرالله لن ينسى اسم عمير بيرتس»، ويكشف عن نية ليفني منذ الأيام الأولى للحرب بضرورة سلوك المسار السياسي لا العسكري. تفاصيل رويت مراراً ووثّقت على مدى 10 سنوات. تركت الصورة هنا لمقابلات متتالية، وبذلك أتى الجزء الثاني مغايراً في روحيته عن الأول، وفي تقنياته ربما، لأن الموضوع المطروح اختلف.
بعد غد السبت، تنتهي هذه السلسلة التي تكشف كواليس عملية التبادل للمرة الأولى مع مسؤول «لجنة الارتباط والتنسيق المركزية في حزب الله» وفيق صفا، وإضاءة على دور القائد الشهيد مصطفى بدرالدين في هذه العملية. سيولي هذا الجزء لفتة خاصة إلى عملية «ليلة الطائرات الشراعية» التي نفذها عام 1978، عنصران من «الجبهة الشعبية الفلسطينية ــ القيادة العامة» السوري خالد محمد عكر والتونسي ميلود نجاح. جثتا الشهيدين عادتا مع عملية التبادل، مع إضاءة على البعد العربي الذي اتخذته المقاومة منذ نشأتها، والوعي المبكر لدى شباب فدائيين همّهم تحرير فلسطين، واليوم أضحت هذه القضية منسية في بحر الجماعات التكفيرية.

* الجزء الثالث والأخير «التبادل» من سلسلة «2006»: بعد غد السبت ــــ 21:00 على «الميادين»





عن «الخداع» و«التطبيع»

الوصول الى قيادات عسكرية وسياسية رفيعة في «إسرائيل»، وإعادة إقرارها بفشلها وإخفاقاتها في حرب تموز 2006، دعّمت بلا شك سلسلة «2006» وأثارت بلبلة عارمة في الأوساط الصهيونية. هذه المقابلات التي أجريت عبر شركة إعلامية وسيطة، قام بها الصحافي الإيطالي ميكيله موني (له علاقات واسعة في «إسرائيل»)، بإدارة المخرج الفلسطيني أحمد البرغوثي. وبخلاف ما أشيع عن أنها تمت عبر وسيلة الخداع وإيهام هؤلاء الأشخاص بأن المقابلات تعود الى قناتي bbc و«الجزيرة»، فإن معدّ السلسلة ومخرجها عباس فنيش نفى صحة هذه الأخبار المتداولة. في اتصال مع «الأخبار»، أكد فنيش جهل الرجلين بالجهة المستفيدة من هذه اللقاءات. وعن تراجع القادة الإسرائيليين عن شهادتهم وتبريرها، يلفت فنيش الى أنّ الأسئلة أرسلت قبل أسبوع، وكانت لهذه الشخصيات الفرصة للتفكير والتمحص في الأسئلة، حتى إنّ بعضهم رفضوا الإجابة عن بعضها، وهذا ما ظهر في الجزءين الأولين.
الصحافي اللبناني عرّج من خلال هذه الضجة المثارة، على ما يسميه بعضهم «التطبيع»، لجهة مساءلة مسؤولين صهاينة، حتى لو عبر شركات إعلامية وسيطة. يصرّ فنيش هنا على فكرة «توظيف» هذه المقابلات والشهادات بما يخدم العمل، ولا يعتبر ذلك تطبيعاً.