فقط في ضواحي دمشق، يأخذ الفن شكلاً مختلفاً عند نسبة كبيرة من الشباب الذين ضلّ الحظّ طريقه إليهم، ولم يتمكّنوا من الحصول على «الدلال» اللازم الذي رافق بعض المشاهير، أو الدعم الكافي من مخرجين وجهات إنتاجية. لذا سيحترف هؤلاء الشباب تحويل صندوق خشبي بسيط مثلاً إلى قطعة ديكور هامة في عرض مسرحي، ولوح من الفلّين الأبيض إلى لوحة تشكيلية أو مفردة صريحة في سينوغرافيا نشاهدها لاحقاً ضمن عمل فني متكامل.

في محترفاتهم واستديوهاتهم البسيطة وورشات عملهم في الدويلعة، وجرمانا، وجديدة عرطوز، وعشوائيات المزّة وغيرها... لمع اسم ممثلين شباب كثر؛ بينهم وئام اسماعيل وحسام جليلاتي اللذان سبق أن قدّما بجهد شبه فردي اسكتشات «فلاش سوري كتير» خاصة بالإنترنت. اسكتشات قُدّمت بطريقة درامية خاطفة مستوحاة من الواقع السوري، وانقسام الشارع، واندلاع نقاش علني وانعكاس الأحداث التي تشهدها سوريا على أطياف متنوعة من الشعب بعيداً عن التأطير أو النخبوية.

عودة الثنائي في «ختيار الصحاح» الذي يقارب الوضع السوري

هكذا، قدّم الشابان مجموعة من اللوحات الكوميدية التي تابعها الجمهور عبر مواقع إلكترونية. مرّت السنون وحالت الخدمة الإلزامية وحصاره في «الفرقة 17» في الرقة دون استكمال حسام طريقه، بينما اعتصم وئام ينتظر شريكه ويتقفى أثره كلّما انقطعت أخباره، فضلاً عن تقديمه تجارب عدّة؛ منها كتابته مسلسل «نيو لوك» (إخراج وسم السيّد) وشراكته مع الإعلامي أمجد طعمة ومجموعة ممثلين لتقديم تجربة تمزج بين الدراما والإعلام في برنامج «غداً قد نلتقي» (قناة «تلاقي»). رغم هذه الظروف، تمكّن الممثلان الشابان من إنجاز فواصل درامية جديدة وتحميلها عبر السوشال ميديا حملت عنوان «ختيار الصحاح» بالاتكاء على اسم المعجم اللغوي الشهير. فواصل تقارب كل المواضيع والتفاصيل المجتمعية وغرق القارب السوري نتيجة الحرب ومخلفاتها. يظهر اسماعيل بدور «ختيار الصحاح» أمام الكاميرا في بعض الأحيان، فيما يقاسمه شريكه المشهد مرّات أخرى، ليدور الحديث الانتقادي المتهكّم عن الظواهر التي يعيشها السوري، والمزايدات حول من بقي في البلد ومن سافر. ثم ينتقد أسلوب التعامل مع الأطفال في ظل الضغط الهائل الذي تعيشه البلاد، ولا ينسى «وسائل التفاصل الاجتماعي» كما سمّاها مرّة الفنان اللبناني رفيق علي أحمد في إحدى مسرحياته. ومن خلال الأسلوب نفسه، ينتقد «ختيار الصحاح» الـ«واتس آب» والفايسبوك واختزال العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الناس من خلال هذه الوسائل الجامدة المعفاة من أي روح! تدور الكاميرا كلّ مرّة لدقائق على خلفية مختارات من الموسيقى العالمية، ثم ينتقي ختيار الصحاح موضوعاً معيناً ويعالجه بأسلوب رجل كبير سريع الغضب لا تنقصه الطيبة والاعتذار وتقبيل الجمهور كلازمة ثابتة وخاتمة لكل اسكتش.
اللافت أنه بمبادرة فردية وغياب أي دعم إنتاجي، يظهر الممثل العشريني وئام اسماعيل بطريقة مقنعة بأنه رجل متقدّم في السن بالنسبة إلى الماكياج والملابس والإطلالة. دردشة عابرة مع الشابين تكشف لنا أن الأحلام الكبيرة والطموحات الجذّابة لم تعد رفيقة دربهما. رغم أن الحرب لم تتمكن من فرض اليأس والسوداوية عليهما، إلا أنّها إلى جانب المحسوبيات والفساد والانحلال القيمي المتفشي في الوسط الفني السوري أطفأت شعلة الحماسة داخلهما، وأجهزت ربما على معظم الأحلام. لم يبقَ إلا النذر اليسير منها، وهو ما يجعلهما يجترحان الحلول الفردية من أجل خطاب يتيم يصرخ: «نحن ما زلنا هنا!».


https://www.facebook.com/khatyar.alsehah/?fref=ts