تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى جزء من حياتنا لم يعد مسألة قابلة للنقاش. تأثير المنصات الافتراضية على يوميات الناس على مختلف الأصعدة أقوى من أي وقت مضى، ولا شكّ أنّه آخذ في التطوّر. عالمياً، تحوّلت السوشال ميديا خلال السنوات القليلة الماضية إلى عنصر أساسي في علميات التسويق، لا سيّما الإلكتروني. في دراسة نشرتها أخيراً، أوضحت شركة Aimia الكندية المتخصصة في تحليلات التسويق أنّ «فايسبوك» يتصدّر لائحة مواقع التواصل الاجتماعي التي يفضّل الناس شراء البضائع عبرها (19 في المئة)، يليه «تويتر» (10 في المئة)، و«إنستغرام» (9 في المئة)، ثم «بينترست» (7 في المئة)، فـ «سناب تشات» (5 في المئة). شملت الدراسة عيّنة مؤلفة من 2,017 شخصاً تزيد أعمارهم على 18 عاماً. بدوره، أكد موقع Shopify الرائد في مجال التجارة عبر الإنترنت أنّ ثلثي الزيارات المسجّلة إلى متاجره تأتي عن طريق «فايسبوك»، كما أنّ 85 في المئة من طلبات الشراء من خلال السوشال الميديا تكون عبر الموقع الأزرق. ويشدّد Shopify على أنّه توصّل إلى هذه الأرقام بعد تحليل 37 مليون زيارة «افتراضية» أدّت لاحقاً إلى 529 ألف طلب شراء.
تجري عملية البيع عبر الرسائل الافتراضية الخاصة وتطبيق «واتسآب»

وفيما تعمل أبرز الشبكات الاجتماعية على التزوّد بخاصيات تمكّن مستخدميها من إجراء عمليات الشراء مباشرة من دون تحويلها إلى الموقع الإلكتروني الأساسي، أصبحت هذه المنصات ــ «فايسبوك» و«إنستغرام» تحديداً ــ أشبه بسوق لعدد كبير من الشركات أو الباعة المنفردين الناشطين في مجال الملابس والأكسسوارات. لا نتحدّث هنا عن الشركات المتخصصة في البيع عبر الإنترنت التي تستخدم السوشال ميديا كجزء أساسي في عملية التسويق، بل أفراد يتخّذون من الصفحات والحسابات الافتراضية مساحة أساسية لعرض البضائع وإتمام عملية البيع. في هذه الحالة، تنحصر عملية البيع بحجز القطع/ة المرغوبة وتسجيل العنوان ورقم الهاتف اللذين سيُستخدمان للتوصيل عبر إحدى الشركات العاملة في لبنان. أما الدفع، فلا يتم عبر البطاقات المصرفية كما هي الحال في التسوّق والتجارة الإلكترونيَيْن، بل نقداً لدى التسليم. ويجري البيع عن طريق الرسائل الخاصة الافتراضية الخاصة مثلاً، وغالباً ما تشمل هذه العملية تطبيق «واتسآب» وأحياناً الموقع الإلكتروني الخاص بالمتجر، إذا وُجد.
أوّل من أمس، احتفلت Rolady بعيدها الأوّل. من يتصفّح صفحات الموضة والتسوّق على فايسبوك وإنستغرام، يعرف هذا «المتجر» جيّداً، كما أنّ الممثلة اللبنانية نادين الراسي ساهمت في توسيع شهرته حين قرّرت أن تختار معظم ملابسها أخيراً منه، لا سيّما ما ارتدته في مسلسلها الرمضاني «جريمة شغف» (كتابة نور شيشكلي وإخراج وليد ناصيف). لا تنكر صاحبة Rolady، رولا رزّوق، الجهد والتعب والتجدّد والمواكبة التي يتطلّبها النجاح والاستمرار في هذه المهمّة. «اخترت مواقع التواصل الاجتماعي لأنّ الجميع يستخدمها ومن مختلف الأعمار، من فيهم أولئك غير الملمّين كثيراً بالتكنولوجيا». وتضيف: «آتي بالبضاعة من دول مختلفة، من بينها فرنسا وإيطاليا والشرق الأقصى. أعرض صوراً لنفسي أو للعاملات معي ونحن نرتدي القطع لكي يشعر الزبائن بأنّها قريبة منهم، وليأخذوا فكرة تقريبية عن كيف ستبدو عند اللبس. لا أفلسف الأمور بل أبقيها بسيطة، وأمنح الناس فرصة الحصول على أغراض شبيهة بتلك التي يظهر فيها النجوم لكن بأسعار أقل بكثير من كلفة الماركات العالمية».
في ما يتعلقّ بالصعوبات، تؤكد رزّوق أنّ المنافسة هي «أجمل ما في هذا العمل وأبشع ما فيه أيضاً، خصوصاً أنّ صوَري التي تحمل اللوغو الخاص بي تتعرّض للسرقة من قبل منافسين يخدعون الزبائن من خلالها»، لافتةً إلى «أنّني أجتهد لمحاربة الصيت السيّئ المرتبط بالتسوّق عبر الإنترنت أو السوشال ميديا، والتي ساهم هؤلاء المخادعون بنشرها نظراً لنوعية بضائعهم المتردّية». رولا التي تحمي نفسها قانونياً عبر تسجيل شركات لدى الجهات المعنية، تقول إنّها لا تدفع أموالاً لفايسبوك أو إنستغرام إلا بهدف الترويج للصفحة، أو ما يُعرف بالـ promoting والـ sponsoring. وفي ما يخص الدفع، تؤكد ابنة بلدة رحبة العكارية أنّ «الناس يفضّلون الدفع عند استلام الأغراض».
الموضوع نفسه أثاره فوّاز سلمان (اسم مستعار)، مدير Vanto، الشركة التي بدأت العمل في مجال البيع عبر السوشال ميديا (والموقع الإلكتروني) قبل حوالى ثلاث سنوات. يتطرّق سلمان بدوره إلى فكرة «انتشار السوشال ميديا بين الناس»، مثيراً مسألة «خوف الناس من استخدام البطاقات المصرفية»، ومتحدثاً أيضاً عن عائق كبير مرتبط بهذا العامل هو «توجّس الزبائن من الشراء عبر الشبكة العنكبوتية»، وعن حصر التكاليف التي يدفعها لمواقع التواصل الاجتماعي بمسألتي الـ promoting والـ sponsoring. وبخلاف رولا رزّوق، لا يرى سلمان «منافسة جديّة تشعره بالخوف»، فمقارنة بالشركات المشابهة «نحن نبيع بضاعة ذات نوعية أفضل نأتي بها من الشرق الأقصى، لكن بأسعار أقل».

الدفع لدى الاستلام، لأنّ «الناس يخافون استخدام البطاقات المصرفية»

في الوقت الذي يرفض فيه بعض المعنين إطلاق مصطلح «تسوّق» على هذه العملية، يؤكد مستشار التسويق رامي الشبابي أنّ كل عناصر التسوّق متوافرة فيها، كما أنّها ظاهرة آخذة في الانتشار في لبنان بشكل ملحوظ. يختصر المدير الإداري لشركة Mind Flair المتخصصة في تطوير البرنامج والتطبيقات الإلكترونية العوامل التي تدفع الناس إلى اللجوء إلى التجارة عبر السوشال ميديا بنقاط محدّدة. أوّلاً، غياب الكلفة المادية التي سيتكبّدونها لدى إنشاء موقع إلكتروني للتجارة الإلكترونية، وثانياً، استثمار الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، ما يسهّل البيع والوصول إلى الناس. في هذا السياق، يوضح الشبابي أنّ الناس يلجون إلى حساباتهم الافتراضية يومياً، لكنّه من الصعب أن يقصدوا المواقع الإلكترونية التجارية بهذه الوتيرة. أما النقطة الثالثة، فتتمثّل في «غياب عبء الـ credit card»، وهي مسألة مهمّة في لبنان. لكنّ رامي الشبابي يلفت إلى أنّ هذا «الهم» موجود بكثرة لدى اللبنانيين الذين يخافون «السرقة وغياب الأمان» لدى الدفع بواسطة البطاقات المصرفية مفضّلين الـ «كاش» رغم أنّ الاحتمال ضئيل والمصارف مسؤولة عن حماية البطاقات. ويضيف الخبير اللبناني أنّ التجارة عبر السوشال ميديا تبقى ممكنة وناجحة لدى وجود حجم بضاعة معيّن، وفي المسافات القريبة. بمجرّد توسّع هذه التجارة كثيراً، يصبح اللجوء إلى ويب سايت مخصّص لذلك «خطوة ضرورية وحتمية في سبيل الاستمرار». وسبق للخبير في مجال التسويق الإلكتروني كريم صيقلي أن حدّثنا عن تطوّر إيجابي في لبنان بخصوص ازدياد أعداد بطاقات الائتمان، إذ يقدّر عددها في لبنان حالياً بحوالى مليوني بطاقة مقارنة بـ 35 ألفاً عام 2000، وهو ما يُعتبر مؤشراً إيجابياً يسهم في تفعيل التجارة الإلكترونية (الأخبار 6/11/2015). غير أنّه لجهة البيع، فإنّ أكثر المواقع الإلكترونية رواجاً في لبنان هي مواقع الصفقات اليومية التي تقدّم حسومات أو عروضات متدنية جداً، مع العلم بأنّ «سوق التجارة الإلكترونية في لبنان لا تزال ضعيفة نسبياً».
أمام ولادة هذه السوق الجديد، تفرض تساؤلات عدّة نفسها، أبرزها: هل ستستطيع الشركات التي تعمل بمهنية الصمود في وجه هذا النوع من المنافسة؟ وهل سيبقى عملها محصوراً بالعالم الافتراضي، أم ستنتقل إلى التسوّق الإلكتروني الذي صار ركناً أساسياً من التجارة العالمية؟