قدِّر للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد (١٩٥٦- ٢٠١٦) إثارة الجدل وتحريك السواكن في حياته ومن قبره أيضاً! هذا ما حدث في نهاية الأسبوع الماضي بعد وضع التجهيز الفني الذي يجسد الشاعر في «المركز الثقافي الدولي» في الحمامات. منذ يوم السبت الماضي، لم تتوقف ردود الفعل المتباينة حول التمثال الذي أنجزته التشكيلية صديقة كسكاس، للشاعر الراحل، إذ تحول هذا النصب التذكاري إلى موضوع للجدل لا تزال تداعياته متواصلة. أحباء صاحب «نشيد الأيام الستة» من الناشطين على شبكات التواصل الأجتماعي ومن المثقفين، اعتبروا هذا النحت إساءة بالغة للشاعر وطالبوا بسحبه وفتح تحقيق في ملابسات إنجازه. أما مدير «المركز الثقافي الدولي» في الحمامات المسرحي معز مرابط، فقد دافع عن هذا العمل الفني، واصفاً المحتجين بالحاقدين على أولاد أحمد، في حين طالبت عائلته بإعادة النظر في هذا النحت الفني المثير للجدل. في السياق عينه، أعلن شقيقه تنظيم وقفة احتجاجية أمام «المركز الدولي» في الحمامات للمطالبة بسحب النحت الفني.

«اتحاد الفنانين التشكيليين»، أعرق المنظمات التشكيلية في تونس الذي تأسس مطلع استقلال البلاد بداية الستينيات، طالب في بيان صدر أول أمس بفتح تحقيق في غياب الشفافية عند إسناد صفقة إنجاز النحت من دون احترام الإجراءات القانونية التي تنظّم الصفقات العمومية. واعتبر أنّ الموضوع لا يتعلق بحرية التعبير، بل بشبهة فساد طالما أنّه مموّل من الدولة، وكان يفترض فتح باب الترشح لقبول المشاريع الفنية وتثبيت لجنة للنظر في مختلف الترشحات.
هذا الجدل اعتبرته صديقة كسكاس صاحبة العمل إيجابياً ودليلاً على حيوية المشهد الفني والثقافي في تونس. وأشارت في تصريح للإعلاميين إلى أنّ من حق الجمهور أن لا يعجب برؤيتها الفنية وتصورها، لكن في الفن المعاصر يحقّ للفنان أن يتخيّل موضوعه كما يريد. واعتبرت أن الفم المفتوح للشاعر في نحتها، هو إشارة الى مواقف أولاد أحمد وجرأته. أما طول قامته ونحافته، فهما مواصفات أولاد أحمد كما عرفه الناس. وأكّدت أنّها لا تعرف الشاعر شخصياً، لكنّها تعاملت معه من خلال شعره وأحبّته من خلال نصوصه ومن حقّها أن تتصوّره كما شاءت.
ورأت كسكاس المتخصّصة في الرّسم على البلور أن الذين هاجموا عملها الذي حمل اسم «صلاة خالدة»، لا يحبّون أولاد أحمد ولم يطّلعوا على شعره. في سياق متصل، ساند الشاعر منصف الوهايبي التشكيلية صديقة كسكاس، معتبراً أنّ الذين أدانوا العمل الفني منطلقهم مصادرة حرية التعبير، وأنّ العمل ليس بالضرورة أن يعجب الجمهور.
هكذا قدر أولاد أحمد إشعال الحرائق حياً وميتاً كأي شاعر حقيقي قدره أن يكون مختلفاً ومدار اهتمام دائم.