بعد التقرير الذي نشرته صحيفة «العالم الجديد» الإلكترونيّة عن ملفات فساد في «هيئة الإعلام والاتصالات» العراقية، يواجه رئيس تحريرها القاص والصحافيّ منتظر ناصر الملاحقة القضائيّة، إثر إصرار رئيس الهيئة المذكورة، صفاء الدين ربيع، على إدانة ناصر بتهمة التشهير. وينتظر الصحافي العراقيّ موعد المرافعة العلنيّة يوم الاثنين المقبل. وهيئة الإعلام التي تأسّست في حزيران (يونيو) عام 2004، تعرّف عن نفسها بأنّها «الهيئة الأولى من نوعها في الشرق الأوسط من ناحية التنظيم المتداخل بين الإعلام والاتصالات، وهي هيئة مستقلّة غير مرتبطة بأي جهة حكوميّة. إلا أنّ الواقع القائم اليوم يقول غير ذلك؛ فالهيئة غير مستقلّة، إذ كثيراً ما تأتمر بأوامر الحكومة والسلطات العليا فيها، خصوصاً في ملف إغلاق مكاتب الفضائيات التي تتجاوز الخطوط المسموح بها، وتُدار من متحزّبين؛ فربيع نفسه هو أحد أعضاء حزب الدعوة الإسلاميّة الذي يتربع على رأس السلطة في العراق منذ عام 2006.

منتظر أُقصي من وظيفته في «شبكة الإعلام العراقي» التي نُسب إليها، رغم أنّ هناك جهوداً محمودة لعودته إليها، وهُدّد بالفصل العشائري من رئيس الهيئة ربيع، ويتعرّض موقع صحيفته «العالم الجديد» لمحاولات دائمة للتهكير. «الأخبار» حاولت مراراً الاتصال بصفاء الدين ربيع، إلا إنّه لم يردّ على جميع الاتصالات والرسائل النصيّة.
عمليّاً، لا تبدو الأمور شفافة في عمل الهيئة، إذ يُساق كلام كثير بشأن تعمّد هذه الجهة التنصّل عن مسؤوليتها في تحصيل الديون المتراكمة للدولة العراقية على شركات الهاتف الخلوي، ما دعا بعضهم إلى التذكير بأنّ مجمل هذه الديون يمكن أن يسهم في حلّ شيء من الأزمة الماليّة التي تعصف بالبلاد، والتغافل عن ذلك مرتبط بلا شك بالفساد والشبهات التي تجعل مؤسّسة رسميّة تتغاضى عن ديون غير قليلة (لا يوجد رقم محدّد لمقدارها)، إذا ما علمنا أنّ أغلب هذه الشركات ما كانت لتعمل إلا برعاية ودعم من أحزاب ومسؤولين متنفّذين في عراق اليوم.
المفارقة المُرّة أن يحاكم صحافي عراقي اليوم بقوانين «البعث»، وهو ابن عائلة أعدم صدام ثلاثة من أفرادها بتهمة «الانتماء إلى حزب الدعوة». أيّام حكمه، كان البعث العراقي يثبّت في أدبياته العبارة الشهيرة «حزب الدعوة العميل». والحقّ انّنا كنّا نُجلّ هذا الاسم كثيراً، نحترمه، نحترم شهداءه ونقدّس دماءهم، لأنّهم ظُلموا فعلاً، وبين عوائلنا وأصدقائنا من كنّا نفخر بمعرفته ونتداول بشيء من الإكبار لحظة مجيء رجال الأمن والمخابرات لإبلاغه بإعدام أحد ذويه، للسبب نفسه، أي «الانتماء إلى الدعوة»، إذ تقول قصص ذلك الماضي في الثمانينيات: «ثمة طارق على الباب، نعم وبشوارب غليظة وبذلة زيتونيّة. تخرج العائلة أو أحد أفرادها لفتح الباب. الغليظ يقول: ابنكم أعدم تعالوا لتسلّم جثّته وممنوع عليكم حتّى إقامة مجلس عزاء»، هكذا كانت سيرة الدعاة، ومعهم في مصير السحق نفسه شيوعيون وجمع من الأبرياء.
دعاة ما بعد 2003 ضيّعوا كلّ ذلك الماضي المؤلم والمشرّف أيضاً، وضيّعونا معه. لم نعد نثق بهم، صرنا نخشى على أنفسنا منهم، بل لم يكن مرجعهم الشهيد محمّد باقر الصدر ينتظر لحظة موته هو وأخته الشهيدة بنت الهدى من أجل أن يركب رفاقه مئات السيارات المظلّلة، وينسون الناس بهذا النحو الصادم، ويتحوّل وجودهم إلى عنوان من عناوين الفشل المخجل. نسأل أشكالهم الظاهرة على التلفزيون: أليس فيكم شيء من وقار الشهيد المغدور عز الدين سليم؟! سيقف المعترض على كلامنا: «ليسوا وحدهم من تسيّد الحكم، معهم حشد من ممثّلي مكوّنات العراق وأحزابه». لكنّهم على رأس السلطة، وأتيحت لهم فرصة تاريخيّة للانتقال بالبلد إلى حال أفضل.

حريّة التعبير تواجه خطراً
حقيقيّاً، وتزداد الخطورة مع عدم تحديث التشريعات

الكتابة عن منتظر، الذي هو أنموذج يمكن تطبيقه علينا جميعاً من كتّاب مستقلّين ومشتغلين في هذا المجال، تحتاج إلى أن تتصالح مع اليأس المريح، وهو يأتيك بالإحساس القاهر مرّة واحدة، فذلك أفضل من تفاؤل يساريّين يفرطون في التحليل وابتداء الحوار بهذه الديباجة: «ديالكتيك الأزمة يقول إنّ المستقبل آتٍ!».
هنا حوار خاصّ تجريه «الأخبار» مع منتظر عن تفاصيل ما جرى ويجري معه:

■ كيف بدأت الأزمة مع رئيس الهيئة صفاء الدين ربيع؟
ــ نشرت صحيفة «العالم الجديد» الالكترونيّة تقريراً عن فساد هيئة الإعلام والاتصالات وتورّط رئيسها صفاء الدين ربيع، في 12 شباط (فبراير) الماضي، فما كان إلا أن تلقيت سيلاً من التهديدات عبر وسيط، بدأت بالتلويح بطردي من وظيفتي في «شبكة الإعلام العراقي»، ووضع اسمي ضمن اللائحة السوداء في الأمن الوطني، وحجب الموقع، ورفع دعاوى قضائية ضدّي، إلا إنّي طلبت من الوسيط إرسال بيان من الهيئة للتعليق على ما ورد في التقرير، ونشره حتّى لو كان يتّهم الصحيفة، إلا أن رئيس الهيئة رفض الأمر، ومضى بسلسلة إجراءات، كان من بينها طردي من الوظيفة، ورفع دعوى قضائية ضدّي.

■ هل من مصادر خاصّة أوصلت لكم ما نشرتموه من معلومات؟
- نعم بالتأكيد. هناك مصدر مطّلع نقل لي كلّ تلك التفاصيل. وبما أنّ القانون يبيح لي الاحتفاظ بسريّة المصدر، فإنّي أرفض الإفصاح عنه حتّى للمحكمة، وهناك قرائن لا تحتاج إلى أدلة، من قبيل تغاضي رئيس الهيئة عن قيام شركة للهاتف الخلوي بحرمان محافظات الوسط والجنوب من حسم ٥٠٪ تمتّعت به محافظات إقليم كردستان حصراً.
■ كيف مضى المسار القانونيّ بينكما؟
- الدعوى تستند إلى قانون بائد سنّه حزب البعث العراقيّ في عام 1969 إبان صعوده إلى السلطة، وهي الموادّ 433 و434 و435 (القذف والسب وإفشاء السرّ) من قانون العقوبات العراقي، حين كانت في العراق جريدتان فقط! وهذه مفارقة خطيرة في العراق الجديد؛ فالبرلمان العراقيّ حظر قبل أيّام فكر حزب البعث ونشاطه، إلا أنّه أبقى قوانينه سارية المفعول، لأنّها تصب في مصلحة أيّ سلطة دائماً.

■ هل تتوقع أن يحاكم صحافي (الحالة هنا شخصك) في بلد يفخر زعماؤه بعدم وجود سجين رأي واحد في عراق ما بعد صدّام؟
- حريّة التعبير في العراق تواجه خطراً حقيقيّاً، وتزداد الخطورة مع عدم تحديث التشريعات والقوانين الخاصّة بالحريّات العامّة وحريّة التعبير، رغم مرور 13 عاماً على التغيير. والضامن الحقيقي والوحيد اليوم هو الحراك المدنيّ ونضال الناشطين فرادى وجماعات، ما يقف سدّاً منيعاً أمام أيّ محاولة لتكميم الأفواه وغلق باب الحريّات العامّة.

■ ماذا عن مواقف الصحافيّين والكتّاب العراقيّين وردود أفعال المنظّمات والنقابات المعنية بالصحافة وحريّاتها؟
مواقف الناشطين العراقيّين كبيرة ومؤثرة وفاعلة، وأظهرت أمرين: أوّلهما أنّ الكاتب والصحافي لم يعد فريسة سهلة للسلطات مهما حاولت أن تنفرد به، وثانيهما أنّ تلك المواقف الحقيقية والصادقة والعفوية عرَّت المنظّمات والمؤسّسات والمراصد الوهميّة التي تدّعي دفاعها عن الحريّات الصحافيّة، وما هي إلا واجهات غير نزيهة لجمع الأموال من الدول المانحة ولعقد الصفقات غير الشرعية مع المسؤولين وأحزاب السلطة.