«هل رأيت من قبل ممثلاً يتحول إلى حواس؟ له القدرة على أن يكون هو السمع والبصر والنبض؟ إنه صبري فواز». «إذا وجدت ممثلاً يجسد الشخصية بروحه قبل جسده ويؤدي بملامح وجهه قبل حواره، فاعلم أنك امام صبري فواز». هذا جزء بسيط من تعليقات بعض المشاهدين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خلال رمضان الماضي، وهي من نوعية التعليقات التي تكررت في الأعوام الماضية، في حق هذا الفنان.

يصعب على من يشاهد أداء فواز ألا يتوقف عنده طويلاً. ليس ضرورياً أن تكون ناقداً سينمائياً أو درامياً، حتى يشدّك هذا الممثل أكثر من غيره، ويثير فضولك نحو البحث عن أدوارٍ سابقة له وتتبع أعماله مستقبلاً. لعلّ كلمة واحدة يمكن أن تفسّر ما الذي يجعل صبري فواز، على قلة ظهوره وأعماله، يحفر في وجدان المشاهد من أول مرة، وهي «الصدق». ملامحه المصرية المحبّبة تساعد موهبته وتدعمها في طريق الإقناع، كما تجعله قريباً من المتلقي، وهنا من الصعب ألا يلفتك الشبه بينه وبين الموسيقي بليغ حمدي الذي جسّد دوره في مسلسل «أم كلثوم» (2001) وفي فيلم «حليم» (2006). وهو لا يخفي رغبته في تجسيد شخصية الفنان الذي يحبّ، في عمل عن حياته مستقبلاً.

يصوّر حالياً فيلم «جواب اعتقال» من تأليف وإخراج محمد سامي

وعلى الرغم من مسيرته التي تعود بدايتها إلى التسعينيات، يمكن القول إن مسلسل «أفراح القبة» المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ مثّل محطة مهمة في سيرة فواز المهنية. يقول فواز في حديثٍ إلى «الأخبار» إن العمل في «أفراح القبة» الذي عرض في رمضان الماضي، كان «تجربة ثرية وممتعة ومجهدة أيضاً». لكنه يضع «كرم يونس» إلى جانب «إخوته الأعزاء» من الشخصيات الأخرى التي لعبها ولا تقلّ أهميةً بالنسبة إليه عن شخصية الملقّن ووالد عباس، محرّك رواية محفوظ، مثل شخصيات «مولانا الضوي»، «محمود نفيسة» و«جمال الشربيني» وغيرهم. إلا أنه لا يمكن إنكار أن الدهشة التي تركها «أفراح القبة» في نفس من شاهده، تفتح باباً إضافياً لفواز وزملائه في العمل على المستوى الجماهيري، بسبب فرادة العمل وسحره الخاص. هذا إلى جانب الطبيعة المعقدة لشخصية كرم يونس، المرح والغارق في الظنون، وأداء فواز الذي يمكن القول إنه بلغ الذروة في الحلقة الخامسة والعشرين.
بدأ فواز حياته المهنية من المسرح حيث أخرج عشرات المسرحيات. منذ ذلك الحين، هو منهمك في «التشخيص» بعيداً عن هموم «النجومية»، وربما من هذا المنطلق يحبّ لقب «المشخصاتي» أكثر من غيره.
في السنوات الأخيرة، كانت للسينما والتلفزيون حصة أكبر من أعمال فواز. لا يرى في ذلك تمييزاً للشاشة الصغيرة عن المجالين الآخرين، مؤكداً أن العمل في وسيط من الوسائط الثلاثة قد يزيد أو يقلّ وفق ظروف السوق ومناطق الجذب الجماهيري.
يرفض فواز القول إن الجمهور المصري منصرف عن المسرح، مؤكداً أن المرء قد يظنّ ذلك بسبب غياب التركيز الاعلامي على المسرح وسيطرة البيروقراطية على الإبداع في مسارح الدولة، إلا أن الجمهور موجود أمام الخشبة «حيث يقدّم الشباب أعمالاً رائعة».
وعن سبب قلّة أعماله الذي يثير سؤالاً عن معايير قبوله ورفضه لدور معيّن، يقول فواز إن هناك مجموعة شروط يجب أن تتوافر في العمل مثل سيناريو جيد، ومخرج جيد، ومنتج جاد، وشخصية مهمة في الحديث وغنية بشتى أنواع الانفعالات، بمعنى آخر أن تحتوي على «تمثيل كتير».
عُرف فواز بخوضه «معارك» مع المنظومة الثقافية الراهنة التي تحاول ابتلاع الفن والفكر في «المحروسة» منذ سنوات. تعثر على موقع «يوتيوب» للممثل على مشادة كلامية بينه وبين أحد المخرجين السابقين في التلفزيون المصري، تُبرز ما يمكن تسميته «الصراع» بين اتجاهين فنيين في مصر اليوم، واحد يريد تحميل السينما والدراما مسؤولية الانهيار الاجتماعي الذي تشهده البلاد، وآخر يمثّله فواز يرفض التعاطي مع الفنّ كأنه رجل دين أو واعظ أخلاقي. يفسّر فواز أن ما يحدد مستوى الفنّ هو جودته فقط، وليس المطلوب منه أن يوجّه أحداً، فالفنّ «ابن المجتمع مش أبوه»، وهو ما كرره الممثل مراتٍ عدة. في حديثه إلى «الأخبار»، يقول تعليقاً على مصطلحات مثل «السينما النظيفة» و«السينما الحلال» وغيرهما من التسميات التي أنتجها تحالف رجال الدين والإعلام وجمهور غرق بعضه في مفاهيم التحريم، إن هذه التسميات «اخترعها شخص حاسس بالذنب فبيحاول يكفر ذنوبه على حساب المهنة». ويتابع فواز الذي يصوّر حالياً فيلم «جواب اعتقال» من تأليف وإخراج محمد سامي (إنتاج «السبكي»): «الفن فن، لا مطلوب منه يبقى مدرّس ولا واعظ ولا موجّه، الفن يتأمل موقفاً، لحظة، حالة، شخصية ولك أن ترى فيها ما تريد».
يقف الممثل ــ بحسب تعبير فواز في أحاديث سابقة ـ في آخر صفّ من تجدر مساءلتهم عن «الانحطاط». يسبقه في ذلك الصف الحكومة والإعلام والتعليم وغيرها. أن يأتي أحدهم رافعاً عصاه على الممثل محملاً إياه مسؤولية ما نراه في الشارع، فهذا هو التضليل بعينه!