لم يحدث أن تعرّض مفكّر عربي رائد لهذا الكم الهائل من الإساءات والتجاهل التي تعرّض لها خليل سعادة (1857 ـــ 1934). المفكّر والطبيب اللبناني النابغة (نابغة ببساطة لأنّه دخل «الجامعة الأميركية في بيروت» وكان اسمها آنذاك «الكلية السورية الإنجيلية»، وهو لا يزال في الــ 15 من عمره)؛ تعرّض بشكل مستمر ــ ولا يزال- للتجاهل كما لو أنّه لم يوجد من قبل. حتى إنَّ كثيرين اليوم ــ ومن أجيالٍ مختلفة- لا يعرفون عن الرجل سوى أنّه والد مؤسس «الحزب السوري القومي الاجتماعي» أنطون سعادة.

«لقد ظلم د. خليل سعادة كثيراً وتم تجاهله من قبل المناهج الدراسية اللبنانية حتى الآن كثيراً، ولا يزال يحدث هذا؛ ولم يتم ذكره أو ذكر كتبه وإنجازاته مثلاً كالقاموس الذي وضعه في عام 1911، أو مثلاً أنّه أضاف أكثر من 1000 كلمة إلى اللغة العربية» هكذا يحدّثنا بدر الحاج، الذي انكبّ في البحث (بالتعاون مع سليم مجاعص) وإنجاز عمل مطول (استغرقه قرابة ستّ سنوات حتى اليوم) عن مؤلفات خليل سعادة وآثاره. مشروع تتولى «مؤسسة سعادة» و«دار كتب للنشر والتوزيع»، إصداره كمجموعة (على دفعتين أو ثلاث دفعات تصدر تباعاً).

شكّل سعادة مع الشيخ إبراهيم اليازجي وبشارة زلزل، ثلاثياً عرف بالأقنوم الأدبي

عن سبب «استبعاد» فكر سعادة وإخفائه عن المشهد الفكري اللبناني، يعلّق بدر الحاج: «لأنّ كتب التاريخ اللبنانية والمناهج التربوية تريد توجيه القارئ/ التلميذ لناحية أمورٍ معينة، وخصوصاً بعيداً عن أي مفكّر انتقد فرنسا، وسعادة كانت ناقداً رئيسياً لفرنسا؛ فضلاً عن انتقاده مثلاً لاستقلال لبنان إثر إعلان الجنرال غورو والبطريرك حويك «استقلال دولة لبنان الكبير». يومها، علّق على هذا الاستقلال بقوله بأنَّ معظم موظفي الدولة إبان الاستقلال كانوا فرنسيين مثلاً. يضاف إلى هذا أنه رغم رحيل الفرنسيين عن البلد، إلا أن المستفيدين من الفرنسيين لا يزالون موجودين حتى اليوم، وبالتالي فإنَّ فكر خليل سعادة لا يمكن إدخاله في المناهج. من الممنوع أن تضع شيئاً تنويرياً في المناهج التربوية، فتلك المناهج موجهة مثل أي حزب موجّه، حيث يكون كل الخونة أبطالاً، وكل التنويريين مغيبين، ولا يوجد في التاريخ الذي يدرّس أي أبطال إلا من يريدونه هم».
تأتي المجلدات الأربعة، والروايتان الصادرتان عن المشروع، لتضيء على جهد هذا الكاتب/ المفكّر النابغة، فمعظم هذه المقالات والنصوص لم يعرفها القارئ العربي قبلاً. يشير الحاج إلى أنَّه «تم العمل على هذه المجموعات لحوالى ستّ سنوات، فضلاً عن أنّه للأسف وجدنا أنَّ بعض آثار الدكتور سعادة غير موجودة، وبعضها تلف، وبعضها الآخر فُقِد تماماً. وفي بعض الأحيان، لعب الحظ إلى جانبنا لإيجاد بعض المؤلفات في جامعاتٍ صغيرة للغاية في الولايات المتحدة مثلاً».
وعن المشروع بحد ذاته، يوضح لنا الحاج بأنَّه يأتي على دفعات، وما تم إصداره حتى اللحظة هو جزءٌ من المزمع إصداره لاحقاً، حيث يأتي على خطوات: «لقد أصدرنا حتى اللحظة أربعة «مجلدات» تتناول أعمال د. سعادة. تحتوي هذه المجلدات على مجموعةٍ من المقالات مصنّفة بحسب الموضوع. وهي كانت قد ظهرت أول الأمر في مجلات مطبوعة في القاهرة، وبوينس آيرس، وسان باولو. كذلك، أعدنا طباعة روايتين الأولى هي روايته الأولى «أسرار الثورة الروسية» (رواية تاريخية) التي ألّفها في عام 1905 بالإنكليزية (وطبعت في لندن) ثم عاد وترجمها إلى العربية بنفسه في عام 1925. أما الرواية الثانية، فهي «قيصر وكليوبطرا» (رواية تاريخية) التي كتبت بالعربية وطبعت في سان باولو في عام 1925». ماذا إذاً عما سيصدر لاحقاً؟ يؤكد الحاج بأنهم يعملون حالياً على المجلّد الخامس الذي سيصدر في الخريف القادم «وسيحتوي على مقالاتٍ سبق أن نشرت في مجلة «المجلّة»، إلى جانب مقالاتٍ أخرى نشرت في «الرابطة» (وكلاهما في سان باولو في عشرينيات القرن الماضي)؛ وتحتوي هذه المقالات على رفضه التام والقاطع للجرائم التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الفرنسي تجاه الثورة السورية، فضلاً عن موضوعاتٍ أخرى متنوعة». لاحقاً ومن دون تحديد أي وقت للإصدار، سيعود الباحثان (مجاعص والحاج) إلى إصدار خمسة مجلدات أخرى تتناول مواد ومواضيع أخرى من كتاباته وحتى وفاته، فضلاً عن مجلدٍ أخير سيتضمن بيبليوغرافيا كاملة لمجموع كتاباته باللغتين العربية والإنكليزية.

الطبيب المبدع

ولد خليل سعادة في الشوير (قضاء المتن) عام 1857، وسرعان ما لفت الكلّ بنبوغه المدرسي، فدخل الجامعة حدثاً (في 15 من عمره)، وسرعان ما تخرّج طبيباً (1880). عاد ودرّس في الأستانة في تركيا (حيث كان يذهب الجراحون للتخصص)، ليعود بعدها إلى الشوير ليطبب الناس مجاناً، وينكبّ على إصدار «مجلة الطبيب». كانت هذه المطبوعة أول مجلّة طبية/ عربية متخصصة (ولربما تكون أول مجلّة لبنانية معروفة) في عام 1882. إلى جانب ذلك، شكّل سعادة مع الشيخ إبراهيم اليازجي وبشارة زلزل، ثلاثياً عرف بالأقنوم الأدبي المثلث. أصدر سعادة خلال تلك المرحلة من حياته، كتابين طبّيين («وقاية الأمراض السارية»، و«في معالجة السل»)، في حين كان كتابه الثالث سياسياً بامتياز حمل عنوان «فلسفة تأخر الشرق». كانت تلك بداية إبداعه ومشاكله في آنٍ معاً. هذا النوع من الكتب سرعان ما سيجذب إليه الانتباه «غير المرغوب به» من قبل النظام الحاكم المحتل (سواء أكان تركياً أم فرنسيا أم إنكليزياً). انتقل بعد ذلك إلى فلسطين، وترأس مستوصفات البعثة الطبية الاسكتلندية هناك، فجال فيها حتى وصل إلى القدس، حيث تعرّف إلى مجاهديها والشخصيات التي كانت تعيش في كنف المدينة المقدّسة كالأمير عبدالقادر الجزائري. في الوقت عينه، انخرط في الماسونية، وسرعان ما ترأس (في عام 1885) المؤتمر الماسوني العلمي. ظل ماسونياً لردحٍ من الزمن إلى أن كتب رسالة «استقالة» و«خروج» من الماسونية لاحقاً في حياته لأنه اعتبر أنه «يجب الانشغال بالقضية الوطنية لا الاقتصار على الطقوس الماسونية»، وقد نشرت الاستقالة في جريدة «الجريدة» التي كان يصدرها في سان باولو في 10 أيار (مايو) 1926، وكذلك في كتاب «سورية والانتداب الفرنسي» من المجموعة نفسها. وقد كان هذا الانتماء الماسوني، وفق ما جاء في كتاب «سيرة أنطون سعادة -السنوات الأولى» لسليم مجاعص، لأنّ الحركة (أي الماسونية) قدّمت بديلاً «فكرياً»، إلى حدٍ ما، عن النظام الفكري المعتاد آنذاك. أيضاً، كانت من أوائل الحركات التي أمنّت حماية للأشخاص الذين كانوا «معارضين» سريين للحكم العثماني؛ فهي قد ضمّت مثلاً بعض الولاة العثمانيين على فلسطين، ولبنان وسوريا، فضلاً عن ضمّها عدداً كبيراً من مشاهير المفكّرين العرب آنذاك مثل جرجي زيدان، وأمين الريحاني، ويعقوب صرفو، ومارون عبود، وفيليكس فارس، وأديب إسحاق وغيرهم.
المجلّد الخامس يصدر في الخريف ويحوي مقالاته التي دان فيها جرائم الاحتلال الفرنسي بحق الثورة السورية

رحل سعادة بعد ذلك إلى مصر. يومها، كانت العاصمة المصرية ملاذاً للأدباء والمفكّرين؛ فبدأت شهرته بالذيوع خصوصاً أنَّ أصدقاءه المعروفين كشبلي الشميل، وإبراهيم اليازجي، وداوود بركات كانوا قد سبقوه إلى هناك. تعرّف وعايش مفكرين كباراً مثل الشيخين محمد عبده ورشيد رضا، ويعقوب صروف، وفارس نمر. وتوطدت صداقته بأحمد عرابي باشا وأصبح طبيبه الخاص، وكتب مقدمة «مذكراته» بعدما نقّحها له. وعلى الرغم من انشغالاته الكثيرة، إلا أنّ ذلك لم يمنعه من التأليف وبلغاتٍ أخرى حتى، فكتب روايته الأولى «قيصر وكليوبطرا» باللغة الإنكليزية (ثم عاد هو ونقلها إلى العربية 1925)؛ ثم عاد ونشر في 1905 روايته الثانية (والأولى باللغة العربية) «أسرار الثورة الروسية» ثم رواية «أسرار الباستيل» (باللغة العربية أيضاً). وقد بدا مفتوناً بالتاريخ وروايته إلى حدٍ كبير، فضلاً عن استخدامه أسلوب البحث العلمي في البحث عن «الدقة التاريخية» لنصوصه. بعد ذلك، كان إنجازه الكبير بترجمته لإنجيل برنابا (1907)، ولكن المقدّمة المكتوبة بيد الشيخ رشيد رضا كانت مفاجأة، إذ كانت تعارض الكتاب، ولربما كانت واحدةً من أوائل المقدمات التي «تشجع القارئ على عدم قراءة الكتابة». هذه المقدّمة التي لم يؤخذ رأي سعادة فيها حينما وضعت على الكتاب (هي مقدّمة الناشر أصلاً). هذا الإنجيل المترجم خلق لسعادة كثيراً من الأعداء وكثيراً ممن باتوا ينظرون له على اعتبار أنّ «حدوده السماء»، لذلك فإنه «مخيف». لاحقاً، أصدر المفكر اللبناني «معجم سعادة» (1911) باللغتين العربية والإنكليزية، وقد كان دقيقاً وواسعاً. كل هذه الإصدارات والضجة المرافقة له، جعلت الخديوي عباس حلمي يعطيه لقب «البكوية»، لكنه سرعان ما خسر حظوته عند الخديوي حينما صادق سعد زغلول زعيم المعارضة، الأمر الذي أجبره على المغادرة إلى أميركا الجنوبية وتحديداً الأرجنتين في عام 1914؛ لأنه لم يكن يستطيع العودة إلى سوريا أو لبنان لتضييق الأتراك عليه.
في الأرجنتين، وجد في الجاليات الشامية/ العربية ضالته، فأسس مجلته «المجلة» ثم حزبه «الحزب الديمقراطي الوطني» جاعلاً شعاره الرئيس: «الاستقلال أو الموت». لم تجعله المسافات الشاسعة بعيداً عن أحداث وطنه العربي، بل بقي مصراً على الدخول والمشاركة في أدق التفاصيل، فترأس «المؤتمر الوطني السوري الأوّل» (1919) الذي انعقد في العاصمة الأرجنتينية في بوينس آيرس (احتجاجاً على إعلان فرنسا حمايتها لسورية). انتقل بعدها سعادة إلى البرازيل وتحديداً إلى سان باولو، حيث استقبل كالأبطال. وهناك، أسس جريدته «الجريدة» (التي اتسمت بمقالاته النارية (كانت أسبوعية ثم جعلها يومية لاحقاً)؛ فضلاً عن اهتمامها بالأدب، فقدمت شعراء اشتهروا كثيراً بعد ذلك مثل رشيد سليم خوري (الشاعر القروي)، وإلياس فرحات. وبعد سنوات، أعاد إصدار «المجلة» ولكن من البرازيل هذه المرّة. وكانت أواخر نشاطاته الفاعلة رئاسة تحرير جريدة «الرابطة» (الناطقة باسم «الرابطة الوطنية السورية») في عام 1930، وبقي في هذا المنصب أربع سنوات متتالية؛ حيث غدا رئيساً «شرفياً» للرابطة إلى أن وافقته المنية في عام 1934. في أواخر حياته، افتتن سعادة بالنظرية النسبية فدرسها كثيراً، وقرأ عنها، وحللها، فضلاً عن تركه لمخطوط لروايةٍ لم تصدر بعد هي «أنطونيو وكليوباطرا»، وأبحاثاً كثيرةً لم تنشر حتى اليوم. حتى وفاته، كان يجيد وبطلاقة –كتابةً وقراءة- أكثر من خمس لغات هي: الفرنسية والانكليزية والاسبانية والبرتغالية والتركية؛ إضافةً إلى العربية بالطبع.
بطبيعة الأحوال، تأتي الآثار الكثيرة التي تركها سعادة متنوعةً إلى حدٍ كبير، ذلك أنَّ مقالاته تناولت كثيراً من الشؤون المحلّية والعربية على الرغم من أنّه كان في أقاصي الأرض (كان يتحدّث مثلاً في مواضيع محلية لبنانية/ سورية رغم أنّه في الأرجنتين أو البرازيل مثالاً)؛ وهكذا كان يثبت بشكلٍ أو بآخر بأن «القضية» هي الأساس لديه؛ لذلك لم تكن المسافات حاجزاً البتة.