أعلنت «منظمة أطبّاء بلا حدود» عن سحب طاقمها من المحافظات اليمنية الشمالية ومن المستشفيات والمراكز الصحيّة التي يشرفون عليها. وقالت المنظمة إنّها قد أُجبرت على ذلك بعد تأكدها من حقيقة أن «ضمانات التحالف الذي تقوده السعوديّة لا يُعتمد عليها». فقد تكرّر قصف المواقع التي تُشرف عليها وكان آخره قصف الطيران السعوديّ مستشفى يقع في منطقة عبس (شمال صنعاء) وأودى بحياة 19 شخصاً وعشرات الجرحى.

لكن هذا الخبر بقي في الظل، ولم يعرف به كثيرون. يُقتل ضحايا اليمن ولا يعرف العالم بخبر مقتلهم ويجري هذا منذ عام ونصف العام لم يدّخر النظام السعوديّ خلالها جهداً أو مالاً من أجل تغييب الصورة. ذهب لإيقاف بث محطات فضائية لا تسير على هواه وتقوم بنقل الصورة التي يريد تغييبها. هكذا يموت الضحايا مرتين، مرة لحظة مقتلهم، والأخرى حين لا يعرف أحد حقيقة ما جرى لهم.

لم تقدر ماكينة الإعلام
السعودي التغطية على أخبار المجزرة الأخيرة في اليمن

لكن هذه المّرة، لم تقدر ماكينة الإعلام السعودي التغطية على أخبار المجزرة الأخيرة، بل إنّها كشفتها عن غير قصد وهي تحاول توضيح الصورة الكامنة وراء قرار «منظمة أطباء بلا حدود» بسحب طاقمها من شمال اليمن. إنها منظمة مستقلة تمتلك رصيداً محترماً أمام العالم، ولا يمكن النيل منها بسهولة. ومع ذلك، ذهب إعلام آل سعود إلى بذل كل طاقته لتفنيد قرار المنظمة. هكذا، ذهب خيال جريدة «عكاظ» السعودية بعيداً وهي تتهمّ «منظمة أطباء بلا حدود» بـ «عدم التركيز على ما يحدث في إيران». كأن هذا يعفي آل سعود من أفعالهم. مع ذلك، ردّت المنظمة قائلة «ليس لنا تواجد في طهران ونحن نكتب تقاريرنا عمّا تراه أعيننا».
من جهتها، تكّفلت قناة «العربية» بذلك الأمر في سهرات متتابعة ولكن على طريقتها الفريدة: استضافة محلل سياسي من الرياض، وإعلامي يمني من لندن، وآخر من جدة، وأحياناً يحلّ ضيف يمني على مقدّم السهرة في مقر القناة في دبي مع تبديل تلك الوجوه في كل مرة، لكن جميعها يقف ضد الضحايا ويساند السعودية في قولها. وإلى كل أولئك، استمر الناطق الرسمي باسم العدوان السعودي أحمد العسيري بلا ملل في قول براءة طيران بلاده من دماء اليمنيين الذين قصفت الصواريخ حياتهم.
واكتمل المشهد العبثي حين أكد الناطق أنّهم سيشكلون لجنة تحقيق لمعرفة حقيقة ما حدث. أمر أجبر «أطباء بلا حدود» على رفع صوتها اعتراضاً على الطلب السعوديّ، إذ أورد بيان للمنظمة صدر عن طريق فرعها في المانيا أنّ التحقيق المستقل في مثل هذه الحوادث المأساوية، لا يمكن أن يقوم به طرف من أطراف الحرب، فـ «ذلك يشبه قيام متهم واقف أمام المحكمة بالتحقيق بنفسه في التهم الموجهة إليه»، أو بعبارة أخرى: كيف يمكن للمجرم أن يحقق في جرائمه؟