الشغل الشاغل للصحافيين المصريين اليوم هو: كيف ننافس هذا الوحش المسمّى السوشال ميديا؟ يسألون حيارى: هل ما زالت الصحافة مجرد مجموعة من الـ news، بينما هم أنفسهم يعتمدون على السوشال ميديا كأحد أهم مصادرهم الصحافية؟ كيف ينافسون ملايين المواطنين الذين ينتشرون في كل بقاع الأرض، ويمتلكون هواتف ذكية، ينقلون بها الأخبار ساعة حدوثها، في حوادث الطرق، والمظاهرات، والمؤتمرات، وفي المباريات، هذا زمن تحول الجمهور إلى صحافيين، فما الذي سيفعله الصحافيون إذن؟

السؤال صعب دارت حوله نقاشات كثيرة، جميعها خلص في النهاية إلى ضرورة وضع آلية لتطويع هذا الوحش، والسير إلى جواره، لا الدخول معه في منافسة. في الجانب الآخر من العالم، هناك من يتحدث عن تطوير إنسان آلي يمكنه ببعض البرامج أن يكون بديلاً للصحافي في يوم من الأيام. هكذا تجمعت كل الخصوم على هذا الصحافي، الذي يعاني في الوقت ذاته من نقص التدريب، وضعف الكفاءة، وغياب المعلم، والموجه. في مثل هذا الوضع، بات الجميع ينتظر النهاية، وأسود المستقبل، فيما توجه العديد من أهل الصحافة إلى البحث عن بديل آمن. غير أنه في تلك العتمة، ظهر شعاع نور، يحاول كسر الظلام، ويعيد للمستقبل إشراقته. هذا ما فعله «منتدى المحررين المصريين» أحد مشاريع «البرنامج المصري لتطوير الإعلام». إذ أصدر واحدة من أهم وأشهر القصص الصحافية في العالم «فرانك سيناترا عنده برد» لجاي تاليز (1966). الكتاب الذي انتقل أخيراً إلى العربية بترجمة إيهاب عبد الحميد، أحدث ضجة واسعة في الوسط الصحافي، واضعاً اصبعه على الجرح النازف منذ سنوات. أراد بصورة غير مباشرة أن يقول بأن الأمل في الصحافة ما زال موجوداً، شرط أن يعرف القائمون على صناعتها باب المستقبل، فيدخلون إليه. قال الكتاب بكل ببساطة إن الدخول إلى المستقبل سيكون بالقراءة الجيدة للماضي. فقط اقرأوا القصة الصحافية «فرانك سيناترا عنده برد» التي نشرت للمرة الأولى في نيسان (إبريل) 1966 في مجلة «إسكواير» الأميركية.

يجب على الصحافي أن يتذكّر أنّه قاصّ في الدرجة الأولى

يومها، استأجرت المجلة الكاتب الأميركي جاي تاليز، الذي عمل قبل ذلك في «نيويورك تايمز» لينتج لها ست قصص صحافية على مدار سنة كاملة. أعطته الوقت، وتركته يفعل ما يريد. هكذا كانت قصته عن المغني الأميركي الشهير، والنجم الأول وقتها، فرانك سيناترا، واحدة من أهم القصص التي انتجها. أحدثت هذه القصة ضجة كبيرة عند نشرها، بل أصبحت رائدة لنوع جديد من الصحافة، والأدب في الوقت ذاته، سمّي «أدب غير خيالي»، ووصفته مجلة «نيمان ريبورتس» التي تصدرها «جامعة هارفارد»، بأنها قصة يمكن تسميتها «صحافة جديدة». السؤال هنا: لماذا قصة «فرانك سيناترا عنده برد» أحدثت كل هذه الضجة، خاصة أنّ كل الصحف والمجلات تعج بأخبار وتقارير وحوارات عن فرانك سيناترا؟ وكيف تصبح مجرد قصة صحافية مادة صالحة لإعادة النشر بعد 50 عاماً على انتاجها؟ الإجابة ستجدها في كل جملة من القصة. 15 ألف كلمة، هي مجموع ما كتبه تاليز بلغة أدبية، رشيقة، جذابة، حافظ فيها على أسس الكتابة الأدبية. كتبت الناقدة ماريا هنسن يومها في «نيمان ريبورتس»: «أستطيع أن أجد في هذه القصة كل المعالم اللازمة في القصص غير الخيالي البديع: المشاهد، الحوار، الشخصيات، المونولوجات الداخلية، البداية، النهاية، التنقل، البناء المتكامل الذي يضفي معنى أشمل». وهذا الدرس الأول من القصة: ليَبحث الصحافي عن اللغة التي يكتب بها، فإذا كان الناس يملكون هواتف ذكية، إلا أنّهم لا يملكون لغة جيدة. أما الدرس الثاني، فهو البحث عن تفاصيل التفاصيل. كان تاليز يبحث عن شيء جديد، لم تلتفت إليه الصحف والمجلات، أو ربما التفتت إليه، لكنها لم تضعه في سياقه. ها هو تاليز في هذه القصة، يضع صورة متكاملة عن فرانك سيناترا، يصف حياته، وأصوله، وطموحاته، يغوص في تفاصيل تاريخه، وأسرته، وأصدقائه، وعلاقاته بالنساء، فيأتي بواحدة من أجمل الجمل في القصة «الطريق لأن تملك المرأة، هو ألا تملكها». ولأجل ذلك، قابل تاليز ما يقرب من مئة شخص لهم علاقة بسيناترا. ولأن كل واحد من هؤلاء لديه زاوية مختلفة عن حياة سيناترا، جاءت القصة مكتملة الزوايا. وهنا درس جديد لمن يفقه: لا تحكِ عما تراه فقط، بل ابحث عن كل الزوايا التي تخدم قصتك الصحافية. لا تستهل الكتابة عن زاوية واحدة، إن كان بإمكانك ببعض الجهد أن تكتب قصة أكثر اكتمالاً. الدرس الجديد الذي تضعه قصة «فرانك سيناترا عنده برد» ليس للمحرّرين، بل للمشرفين عليهم. هؤلاء المسؤولون عن إدارة المحتوى، وفريق العمل. القصة تقول بكل وضوح: كيف تستثمر إمكانياتك في إنتاج شيء عظيم، فهذه القصة عمل عليها صحافي واحد فقط، واستطاع وحده أن يحدث هذه الضجة؟ فمع الظروف المالية الصعبة التي تعانيها الصحف المصرية، بات الرد على ضعف المحتوى الذي يقدم بأنه متعلق بعدد المحررين. صحيح أنّ تحسين الظروف المالية للمحررين ضرورة، لكنه أبداً ليس سبباً في ضعف المحتوى. الأزمة تكمن في عدم استثمار المسؤول عن المحتوى تلك القوى التي يملكها. هكذا يقول طارق عطية، مدير ومؤسس «البرنامج المصري لتطوير الإعلام»، ناصحاً المسؤولين عن إدارة المحتوى بالتالي: «ربما صحافي/ة من غرفة أخبارك، يستطيع أن يحقّق لك ذلك، ربما فريق عمل متكامل. أياً كان الأمر، اختر الأشخاص بعناية، واحطهم بالرعاية والتدريب. امنحهم الوقت الكافي للخروج بفكرة قصة، ثم دعهم يتابعونها بمباركة من المؤسسة. هذا هو استثمارك». ينصحهم بالاستثمار في الوقت والموهبة وفي النقد الذاتي الجاد، والمناقشة والتحرير وإعادة الكتابة حتى تنتج في النهاية قصة على أكمل وجه. ويبقى أنّ أحد الدروس المهمة في «فرانك سيناترا عنده برد» أنها تؤكد أنّ هذا الصحافي الآلي يمكن فعلاً أن ينهي زمن الصحافي البشري، إذا ظلّ الأخير تائهاً عن ميزته الأساسية بأنّه في الأصل قاص، لكنه يحكي حكاية واقعية لأشخاص يعيشون بيننا، وأحداث وقعت في عالمنا.
المدهش أن تاليز لم يستطع مقابلة فرانك سيناترا، ورفض رفضاً قاطعاً إجراء أي مقابلة معه، وهذا الدرس الأخير للصحافيين: العمل بما تتيحه لكم الظروف، لكن أحسنوا استغلاله، فبين أيدينا الآن واحدة من أهم القصص في تاريخ الصحافة المعاصرة، وليس هناك خير دليل على ذلك سوى أنّنا نقرأها ونكتب عنها حتى الآن.