حول تنامي التضييق على حرية الفكر والتعبير، ووضع المرأة بعد ثورة يناير ٢٠١١، تحدثنا مع يسري نصر الله:


■ بداية ما تعليقك على البلاغ الجديد المقام ضد سيد القمني بازدراء الأديان وسبّ الذات الإلهية؟
طبعاً شيء مرفوض. ما حدث لنصر حامد أبو زيد مثلاً مستمرّ اليوم، والناس الذين يقدّمون بلاغات من هذا النوع، يستحوذون على مجالنا. الديكتاتوريات بكل أنواعها بما فيها المؤسسات الدينية، تمارس الديكتاتورية على عقول الناس، بحجة أن هذا ليس من شأنهم. ثانياً أي محاولة للبحث في مسار الدعوة مرفوضة أيضاً. في السعودية، نكتشف أنهم يهدمون منزل النبي محمد مثلاً، لحماية الأساطير المؤسسة، بمعنى آخر أنّ معرفتنا بتاريخ ما قبل الإسلام منعدمة. عندنا كتاب خليل عبد الكريم «الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية» عن شباب الرسول قبل الدعوة، وعلاقته بورقة ابن نوفل الذي كان أحد الذين ساعدوا النبي ووقفوا بجانبه. قامت القيامة على الكتاب ومؤلفه، لأنه تحدث عن الديانات التي كانت موجودة قبل الإسلام في الجزيرة العربية. غريب جداً أن منطقة فيها كل هذا الزخم وفيها الحرم الإبراهيمي، ولا نجد أي معرفة بأساطيرها. فهل يعقل أن الجزيرة العربية منعدمة الأساطير أو الديانات قبل الإسلام؟! تظهر كتب غريبة جداً عن التوراة والأساطير الموجودة فيها، لكن أنت ممنوع أن تنقب عن الآثار في الجزيرة العربية بسبب فكرة الانزعاج من التاريخ. وبمثال قريب جداً نشهده جميعاً وهو «ثورة يناير» ٢٠١١. لقد أصبح تأريخها وأحداثها يتغيران. يقومون بكل ما يمكن لتنسى وتعاد كتابتها بطريقة توافق ما هو سائد. اليوم حين يجيئ مفكرون مثل القمني أو إسلام البحيري ويحاولون إعطاء دفعة للتفكير العقلاني والحض عليه، تقوم القيامة. قامت القيامة على نصر حامد أبو زيد لمجرد أنه تحدث في إمكانية إعادة قراءة معاني القرآن قراءة مستقلة. هم يريدون أن لا يكون هناك غير خطاب المؤسسات الدينية الرسمية المعتمدة، والابتعاد عن التفكير وإعمال العقل.

■ هل يعني هذا أن المؤسسات الدينية تحمي سطوتها؟
نعم هذا مؤكد تماماً. لكن في الوقت نفسه، المؤسسات الدينية تحمي مؤسسة أخرى وهي المؤسسة الوهابية، ولا تحمي سطوتها هي فقط بل تحمي سطوة مباشرة أخرى وهي المؤسسة السياسية.

■ لكن القمع داخل مؤسسة كالأزهر مثلاً موجود منذ الثلاثينيات والأربعينيات قبل تغول الوهابية بداخله.
الوهابية كانت موجودة في تلك الفترة، وأعطت إطاراً أكثر إحكاماً وقوة لقمع الفكر. وإذا تتبعنا تاريخ مصر منذ السبعينيات حتى اليوم، سنجد تغول المؤسسة الوهابية وتوغل سطوتها. دخلت في الصحافة والتلفزيون، والسينما وأشياء كثيرة. أذكر مثلاً الهجوم الغريب الذي شن على فيلمي «مرسيدس» وأفلام يوسف شاهين إجمالاً، وكل الكلام حول الإنتاج المشترك. هذا أمر لم أفهمه، فهذه الأفلام وافقت عليها الرقابة. لكن هناك صحافيون بدأوا بمهاجمة فيلمي بسبب إنتاجه الفرنسي، وليس من باب مضمونه. في فترة السبعينيات والثمانينيات، كنا نلجأ إلى التمويل الفرنسي حيث كان الممول الوحيد للسينما المصرية هو السعودية، والرقابة السعودية أشد من الرقابة في مصر. والنموذج الأكثر فجاجةً حين أخرجت «سرقات صيفية». اشتراه «جمجوم» في السعودية، وجاءني منهم فاكس، فحواه أن الفيلم غير مفهوم للناس. شاهدت الشريط الذي يوزع في السعودية، فوجئت بأن النقطة الرئيسة في الفيلم، وهي خطبة جمال عبد الناصر، قد استُبدلت بفاصل موسيقي. ألغوا صوت الخطبة لأن عبد الناصر كان ممنوعاً وقتها في السعودية. وفي فيلم «مرسيدس»، حذفنا مشهد الفرح في الكنيسة لأن ظهور الكنائس ممنوع في السعودية. وهنا نجد أنفسنا موضوعين أمام قواعد تمارس على السينما، ثم نفاجأ بأنّ صحافيين ونقاداً مصريين يبدأون بمهاجمة الفيلم على أساس الإنتاج المشترك. أنا كنت ألجأ للإنتاج المشترك للتخلص من شروط الرقابة السعودية التي تحدني. وفكرة أن لديك البديل إذن يجب مهاجمته بجملة تعابير مثل «أفلامكم غير مفهومة»، «أفلامكم منحلة»، «أفلامكم لا تعبر عن التقاليد والأخلاق المصرية» وكلام غريب جداً غير منطقي. اليوم، يسجّل «سرقات صيفية» أرقام مشاهدات عالية والمشاهد أحبه. أيضاً هناك التهكم على أفلام يوسف شاهين بدعوى أنّه يحكي لنا سيرته الذاتية. هم لا يدركون أن سيرة شاهين الذاتية هي نسخته من التاريخ الذي عاشه، لا النسخة الرسمية المعتمدة. والتحجج بأن الأفلام غير مفهومة، فما دور النقاد إذن؟ أليس تقريب الأفلام للجمهور وتناول الأفلام بمنهج علمي، وتحليل الفيلم وطريقة تنفيذه وما يناقشه. وهذا للأسف لا يحدث ونجده في كافة المجالات الثقافية.
■ في الندوة التي أقيمت للتضامن مع الكاتب السجين حالياً أحمد ناجي، سألناك يومها عن ازدواجية المثقف الذي يقول إنّه ضد حبس كاتب على ما يكتبه وفي الوقت ذاته، يصف ما كتبه ناجي بالانحلال؟
لا يمكن تعميم هذه الرؤية. الازدواجية لا تأتي من هنا. لدينا مشكلة في الوضع الثقافي المصري ظهرت بوضوح أثناء «ثورة ٢٠١١» ألا وهي ارتباط المثقفين بالسلطة، وهذه من الآفات الكبرى في الوسط الثقافي المصري. ليس المقصود هنا السلطة السياسية فحسب، بل السلطة بكافة أشكالها. وسأعطيك مثالاً ما كتبه كامل زهيري عن فيلم «مرسيدس» الذي حصد كل جوائز جمعية الفيلم، لكنه لم يحصل على أي جائزة من المهرجان القومي الذي كان كامل زهيري أحد أعضاء لجنة تحكيمه. وكان رده غريباً جداً في مجلة «أكتوبر»، حيث قال إنّه «لا يمكنه أن يعطي فيلماً بطله ابن حرام مسيحي شيوعي، وشقيقه شاذ وهذا مخالف للعادات والتقاليد المصرية». الناس دي اتربت فين؟ تربوا وكبروا في الصحف الحكومية كـ «الجمهورية» و«الأهرام» بمن فيهم نجيب محفوظ، ولويس عوض، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، وزكي نجيب محمود. أين كانت مكاتبهم؟ أليس في المؤسسات الحكومية؟ ولأن المثقف خارج هذه المؤسسات غير موجود، لا يستطيع الكتابة أو النشر. هنا السلطة بنت حالة من تقبل الوصاية على عقل وفكر المثقف، وعلى فكر المؤسسات التعليمية أيضاً. مثلاً، رواية محمد شكري «الخبز الحافي» لم تعد تدرّس في الجامعة الأميركية لأنّ والد أحد الطلبة شعر بالإساءة من الموضوع الذي تتناوله الرواية. اليوم عندما نتضامن مع القمني بغض النظر عما يقوله، أو أحمد ناجي بغض النظر أيضاً عن قيمة روايته، إنما نحن نطالب بمنع قمع حرية الفكر والتعبير، وحرية البحث العلمي وحرية النشر. هنا نحن داخلين في صراع أزلي والكارثة ليست في ازدواجية المثقفين بل في تركيبتهم الكاملة. هناك تابوهات اعتادوا ألا يقتربوا منها أو يتكلموا عنها سواء في الدين أو السياسة.

■ كيف ترى أوضاع المرأة المصرية بعد الثورة؟
المرأة اقتربت خطوة جديدة نحو حقوقها وأصبح صوتها مسموعاً في ما يخص مسألة الاستقلالية والتحرر من التبعية الاقتصادية للرجل. وأذكر أن الخلع كانت بدايته من مدينة المحلة، وكان مرتبطاً بنساء يعملن بينما أزواجهن عاطلين. أكيد أن هناك تغيرات كبيرة طرأت على وضع المرأة المصرية.