في ظل سيطرة نوعيات محددة من الأفلام على السينما المصرية، ينتظر عشاق الفن السابع، فيلما يحمل روحاً مغايرة، أو لنكن أكثر دقة يحمل توقيع مخرج صاحب وجهات نظر وأسلوب فني يميز سينماه، فما بالك إذا كان هذا الفيلم يحمل توقيع يسري نصر الله، صاحب «مرسيدس»، و«سرقات صيفية»، و«باب الشمس»، و«صبيان وبنات»، و«جنينة الأسماك»، و«بعد الموقعة». أعمال أثارت الكثير من الجدل ناقش فيها المخرج هموماً سياسية واجتماعية، وفضح وعرّى طبقات بعينها. طوال مشواره السينمائي، كان الإنسان هو شغله الشاغل. الإنسان الذي يكون دوماً ضحية إرهاب سياسي أو مجتمعي.

فيلمه الجديد «الماء والخضرة والوجه الحسن» يثير جدلاً بل «انقساماً» بين فريقين: الأول يرى أن المخرج قدم تنازلات فنية بتعاونه مع المنتج أحمد السبكي، وهو اسم كفيل بإثارة التساؤلات حول تجربة يسري المحسوب على النخبة، وأيضاً تعامله في صياغة السيناريو مع الكاتب «المحافظ والأخلاقي»، أحمد عبد الله. ليس ذلك فقط، بل إنه طبقاً لهذا الفريق، رضخ نصر الله لمفردات السبكي السينمائية واستعان بمطرب شعبي هو محمود الليثي وبراقصة. أما الفريق الثاني، فيرى أن من حق نصر الله أن يجرب نفسه، ويدخل إلى المنظومة التجارية، فهذا لا يعيب أي مخرج والكثير من المخرجين في السينما المصرية والعالم يحاولون أن يصلوا إلى القاعدة الجماهيرية العريضة. ولكن السؤال الأهم: هل دخلها نصر الله بشروطه، أم اضطر لصنع تسويات وتنازلات؟
نجح يسري نصر الله في تحقيق معادلة تقديم عمل فني ممتع يحرض على البهجة، وقادر على الإمتاع بكل تفاصيله الصغيرة. قصة «الماء والخضرة والوجه الحسن» هي في الأصل فكرة للممثل باسم سمرة استوحى تفاصيلها من قصص حقيقية، لمجموعة عن طبّاخي الأفراح الشعبيين الذين يعملون في مدينة بلقاس إحدى مراكز محافظة الدقهلية في دلتا النيل. صاغ يسري نصر الله السيناريو مع الكاتب أحمد عبد الله (كاتب «الفرح»، و«كباريه»، و«الليلة الكبيرة») لكنه لم يستسلم لصوت عبد الله «الأخلاقي، والتقليدي جداً»، بل أخذ عبد الله إلى عالمه، ذلك العالم الذي يحتفي بحب الحياة، وينتصر دائماً لفكرة أن المتعة تكمن في التفاصيل الصغيرة، والقدرة على التمرد.

تكسر ليلى علوي
الصورة النمطية
للمرأة المطلّقة في السينما المصرية

«الماء والخضرة والوجه الحسن» فيلم عن الحب والحياة وعن فن ممارسة مهنة الطبخ بمتعة. يجعلنا نطرح تساؤلات قد تبدو في غاية البساطة، ولكنها في واقع الأمر بالغة التعقيد، أهمها: هل نحن الذين نقوم بتبسيط الأمور أو إعادة تركيبها لتصير أكثر تعقيداً؟ طبقاً لما يرد على لسان البطلة ليلى علوي عندما تقول لمنة شلبي: «دا اليوم مدربك خالص» فترد عليها منة «بالعكس دا اتظبط خالص».
تدور أحداث الفيلم حول عائلة أحد أشهر طباخي الأفراح الشعبية «يحيى الطباخ» (علاء زينهم) الذي يعيش في منزل مع شقيقته (إنعام سالوسة) وولديه «رفعت» ( باسم سمرة)، و«جلال» (أحمد داوود). يعمل جميع أفراد العائلة في مهنة الطبخ، كما يمتلكون «لوكاندة» ذات تاريخ عريق يعود إلى مطعمها المميز حيث كان يأكل البشوات والبهوات في الأزمنة الغابرة. لذلك، أصبح هناك شارع يحمل اسم «لوكاندة الطباخ» و«ميدان الطباخين»، ذلك الصيت الذي يجعل العائلة أهم اسم في عالم الطبخ في الأفراح الشعبية، تتباهى الأسر والعائلات بإحضارها لصناعة الأكلات في الأفراح والعزومات الكبيرة. لكنّ المشاكل تبدأ عندما يطمع باللوكاندة أحد أثرياء القرية (محمد فراج) الذي يخطط للترشح لمجلس الشعب مع زوجته (صابرين)، إذ أراد هدمها لإنشاء مكان لبيع الأطعمة الجاهزة. ويبدأ يغريهم بعرض مبالغ كبيرة من المال، ولكن الأب يرفض بيع منزله والتخلي عن ذكرياته الثمينة وتاريخ اللوكاندة العريق. «الماء والخضرة والوجه الحسن» فيلم عن الحب الذي يظهر في علاقة الأب شيخ الطباخين بمهنته وعشقه لها. خفة نادرة تغلب على جميع الشخصيات، تتمثل في تلك الروح التي تحكم تصرفاتها وعلاقاتها. يرصد السيناريو العديد من علاقات الحب بدءاً من علاقة الطباخ الأسطى رفعت (باسم سمرة) بابنة عمه وخطيبته كريمة (منة شلبي). فرضت عليهما الخطوبة بحكم اتفاق الآباء، لكن كل منهما قلبه مع شخص آخر. كريمة تحب جلال شقيق رفعت الأصغر، وزوج شقيقتها الكبرى المتوفاة، ورفعت يحب شادية (ليلى علوي) في أحد أجمل أدوارها المطلقة. شادية عادت من دبي حيث كانت تعمل مدرسة، وهي بالمناسبة صورة غير نمطية للمطلقة في السينما المصرية. وهناك الحب البريء بين عاشور (محمد الشرنوبي) طالب الجامعة الذي يعمل مطرباً في الأفراح يجيد الغناء الهندي وفاتن شقيقة الثري (مي كتكت). طوال الوقت، يظهر المخرج أنّ الزواج الذي يتم طبقاً للاتفاقات والمصالح هو نوع من الضغط المجتمعي لإظهار وحدة مزيفة، في حين أن الأصل هو الحب والتصالح مع النفس. وقد نجح السيناريو في مناقشة كل هذه المفاهيم من خلال ميلودراما قادرة على كشف المجتمع وتشريحه.
صوِّر الفيلم بالكامل في البيوت والشوارع والحقول المفتوحة في مدينة بلقاس، ما عدا مشهد النهاية الذي صوِّر في الحي الريفي في مدينة الإنتاج الإعلامي، مما أصبغ تلك الروح الواقعية على الفيلم، وأضفى على أجوائه سحراً خاصاً ساعد في تشكيل الألوان الزاهية للملابس التي صممتها غادة وفيق. ويبدو أنها الروح التي استشعرها كل العاملين في الفيلم، وبرزت في كل عناصره الفنية من ديكور وملابس وأداء الممثلين، الذين تماهوا مع أحداث السيناريو، إلى درجة أنّ المشاهد في لحظة قد يتمنى أن يعيش عالمه بالبساطة نفسها. لذلك لا نستغرب مشهد رقص ليلى علوي أو منة شلبي في مشاهد الفرح، التي هي تقريباً أكثر من نصف أحداث الفيلم. وأيضاً، يكون طبيعياً أن نشاهد المطرب الشعبي محمود الليثي يغنب في الفرح ومعه راقصة شعبية مثيرة حيث أحضره كبير البلد فريد (محمد فراج) كهدية للعروسين، وهي لحظة منطقية ومتسقة درامياً مع الأحداث.