قبل أشهر، فُجع العراق برحيل الأديب والشاعر صبري هاشم (1952 ـــ 2016) في مغتربه الألماني، تاركاً أكثر من 12 رواية وديوان شعر نشرتها دورٌ في دمشق وبيروت. ولد صبري هاشم في مدينة البصرة في 15 شباط (فبراير) 1952، قبل أن يغادر العراق عام 1978 عن 26 عاماً، فيكون قد أمضى خارج الوطن ما يناهز 37 عاماً. عاش هاشم حياةً ثقافية وأدبية غنيّة بالتأليف والإبداع متنقلاً بين البلدان العربية من الكويت إلى اليمن التي وصلها في نيسان (أبريل) 1979. ونشر مغامراته عن عبور الصحراء من البصرة إلى الكويت، ما ذكّرنا برحلة الفلسطينيين الثلاثة في رواية «رجال في الشمس» للأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني. ونشر صبري هاشم في اليمن نصوصاً تراكمت لديه في سنوات سابقة في المجلات والصحف اليمنية والعربية. ثم انتقل إلى الأصقاع الألمانية حيث استقر منذ 1990، فيكون قد عاش في ألمانيا 26 سنة، وهو ما يعادل سني حياته في وطنه الأول العراق. ومن هذا المغترب، توالت أعماله الروائية والشعرية كل سنة تقريباً.

كان صبري هاشم إنساناً ودوداً، حلو المعشر، ومتواضعاً، وجدَ سلوى غربته في لقاءات مع أبناء وطنه من العراقيين. كتاباته ــ رواية أو قصائد ــ كانت تعبق بالتاريخ العراقي. كان يُطرب لأغاني بلده، ويُسرّ بصحبة خلانه ويغوص في تراث بلاد ما بين النهرين، فلا انفصال لدى أدباء العراق بين تحصيل الثقافة الأوروبية إلى أعلى الدرجات، مع تمسّك حنون بالتراث والفولكلور.
ترك صبري هاشم كنزاً مهماً هو 12 كتاباً، إضافة إلى مخطوطات وقصائد يحمل كثيرها ثيمة عذابات المنفى. وأول ما كان يلفتنا في أحاديث صبري هو حبكته الروائية الشعرية: هذا إنسان متصل مع تاريخ بلاده وحضارتها كأنّه يعيشها منذ آلاف السنين. كان يخبرنا عن عمل جديد أنجزه هو «لعنة التأويل»، ما يذكّرنا بنجيب محفوظ الذي أصدر بضع روايات مستوحاة من تاريخ مصر الفرعوني، ويذكّرنا بالشاعر محمود درويش الذي ملأ قصائده برموز كنعانية وعربية قديمة. وهكذا أيضاً في الأدب الأوروبي حيث لا يكون الشاعر شاعراً، ولا الروائي روائياً، ما لم يتصل بالإرث الروماني والإغريقي لأوروبا وبأساطير بلاده. وأفضل نموذج نذكره ونحن في برلين هو أديب ألمانيا الكبير غوته الذي عبقت أعماله، وخاصة «فاوست»، بأساطير الأوّلين، وصبري هاشم أعطانا نموذج الأديب المثقف العارف ببواطن الفنون.
آخر أعمال هاشم كان ثلاث روايات هي «حديث الكمأة»، و«هوركي أرض آشور» و«قيثارة مَديَن». فرواية «هوركي» فيها أسلوب وشاعرية سردية ولغة روائية محكمة خاصة بصبري هاشم. شكل يضعنا أمام جمالية متقنة وأسلوب سردي شعري وشفاف، جمالية الإبداع في الخروج على المألوف في إنشاء القصص. في هذه الرواية كما في أعماله الأخرى، ابتدع هاشم أسلوبه الروائي الخاص، ليصبح كل عمل شبيهاً بملحمة جلجامش العراقية. «هوركي» هي بمثابة ملحمة شعرية أيضاً، فيها الخيال والأسطورة ومأساة العراق اليوم، يتفاعل بطل القصة مع ما يجري في بلده، مع رفاقه وعشرته وأحلامه، فيقارب أسلوب الأدب الألماني في Romansbildung عندما يحاول أن يوثّق أدبيّاً ما يحدث في وطنه الأول. وبهذا، ينقلنا إلى صراع الإنسان مع العالم، ووحشية البشر وقسوتهم، وكيف اغتالت المأساة حلم الإنسان العراقي.
أما «حديث الكمأة»، فهي في الحقيقة كباقة زهور من ربوع البصرة. نقرأ: «هربتُ من نفسي ولم أفطن إلى دفءٍ يقترب مني... إلى دفءٍ كالعطر ينسكب في الهواء... لم أفطن إلى خفقة امرأة... إلى امرأةٍ من صهيل.. إلى رفة رمش كالجناح أو هي الجناح: اعتقني أيها الياسمين لكي أطارد غربتي كما تطاردني الأشباح... اعتقيني يا أرض الأجداد ولا تشدي بعدي:

روايته «هوركي» أشبه بملحمة شعرية فيها الخيال والأسطورة ومأساة العراق اليوم

أه حبيبي داهمتنا القطيعة وفاتتنا المحطات إلا واحدة أخَذَتك صوب المشتهى وقالت: لن يعود.
أحقاً حبيبي لن تعود؟ لن تشهق شوقاً لن تتحسَّرَ على زمني على زمنك لن تبكي ندماً؟ وإذا الطرقات أنكرتك وإذا الأرصفة أجفلتك
هل تعود؟ آهٍ حبيبي ليت المحطة قوّضتها العاصفة ليت المحطة جفت واقفة ليتها ليتني لم أكن».
وفي «قيثارة مديَن» كما في أغلب أعماله، يختلط الديني بالتراثي والأسطوري، لكننا أمام الشاعر في صفحات النثر، ومع الراوي في صفحات الإنشاد. وصبري هاشم لا يستطيع غير ذلك. إنّه مجبول من أديم نادر، يكتب كأنّه ينحت بإزميل سومري عمره ستّة آلاف سنة. يقتطع أدوات تعبيره كأنّه يقلع الصخر في جبال العراق. وينشد كأنّ أبا النواس حاضر ناضر من الليالي البغدادية.
ثم إنّ صبري هاشم كتب الكثير من وحي المنفى، مصدر آلامه الأكبر. لقد عاشت بلادُنا قروناً طويلة في ظل إمبراطوريات ساحقة في القدم، منها دول وممالك بناها أجدادُنا كالأشوريين والبابليين والكنعانيين والآراميين، ومنها إمبراطوريات عابرة للشعوب كالإغريق والرومان والفرس. العقوبة القصوى قبل ألفي عام في ظل هذه الإمبراطوريات، كانت النفي، يليها الإعدام صلباً. كان المحكومون يختارون عقوبة الصلب، لا المنفى المؤبد، لأنّهم رأوا الصلب أكثر رأفة من عذاب البعد عن الأهل والوطن، والصلب فرصة لكي يتسلّم ذوو المصلوب جسده لدفنه بعد الإعدام. إلى هذه الدرجة، كانت رهبة الاغتراب والنفي. ويمكننا من هذه الدلالة التماهي مع معاناة هاشم الذي عاش 64 عاماً، أمضى منها 36 سنة في المنفى غريباً في ألمانيا التي استقر فيها بعد ترحاله.
جاء هاشم من بلادٍ مثّلت العصر الذهبي للعرب بامتياز، واستمرّت في العطاء في القرن العشرين، وكانت خير مثالٍ للدولة العربية الناهضة في العلم والتطوّر، في الثقافة وفروعها من أدب وشعر وموسيقى ومسرح وفنون جميلة. حتى بدأ مسلسل الحروب عام 1980 فخسِرنا في لبنان العراق، وانتشر ملايين من بناته وأبنائه في أصقاع الأرض. ومع هذه المرحلة، غادر صبري هاشم أيضاً في غربة طويلة وفيه شوق دفين إلى أرض العراق وشعبه، وإلى البصرة مدينته.
حول المنفى مجدداً، كتب صبري هاشم في صيف 2015: «مِن أخطائي القاتلة، وهي كثيرةٌ، أنني لم أُؤسسْ وطناً بديلاً في المغترباتِ. على امتدادِ سبعة وثلاثين عاماً مِن التطوافِ على المنافي، ظللتُ أحلمُ بالعودةِ إلى وطنِ الذاكرةِ، ولم أُفكِّرْ يوماً بالمتغيراتِ الكثيرةِ والشروخِ الكبيرة التي أحدثتْها الحروبُ بجسدِ الوطنِ. ولم أحسبْ قط لعواملِ التعريةِ والهدمِ التي طَرَأتْ على المُجتمع. أعترفُ أنني كنتُ رومانسياً، وهأنذا أكتشفُ أيَّ خطيئةٍ كنتُ قد ارتكبتُها بحقِّ نفسي وحقِّ عائلتي. وبعد أنْ تجاوزتُ الثالثةَ والستين وأحملُ بجسدي كلَّ مرضٍ قاتلٍ.. يا للخيبةِ! ويا لهذا الوطنِ الذي يُشيحُ بوجهِه عنّي كأنَّني ابنُ الغريبة.. فأيّ سمومٍ كنتَ تحملُها في أحشائكَ أيُّها الوطنُ الذي أحببتُك حدَّ الجنونِ؟».
لكن صبري هاشم هو ممن يحفظون الجميل، فيشكر ألمانيا على حسن ضيافتها ويحزن لأحزانها، فيكتب تعليقاً على سقوط مواطنين ألمان ضحية تفجير إرهابي في تونس: «هؤلاء القومُ ــ الألمان والأوروبيون ــ أهلُ بيتٍ اقْتَحمْنا عليهم خَلْوتَهم وأفْسَدنا عليهم رخاءَهم، ومع هذا أَكْرمونا بِمنطقِ السخاءِ الإنساني، الذي لا يعرفهُ الداعشيون. فأكَلْنا مِن زادِهم واحْتَمينا بسقوفِهم ووفّروا لنا، دونَ منَّةٍ، ما افتَقَدناهُ مِن أمانٍ. وإنْ شَعَرْنا بالغربةِ فهي غُربةُ اللسانِ والعاداتِ والتقاليد. أما غُربتنا الأشدُّ فكانت مع أبناءِ جلدتنا العراقيين... غُربةٌ بَدأتْ على أرضِ الوطنِ ولاحَقَتْنا إلى المنافي. غُربةٌ ضاعفَ مِن ظلمتِها أبناءُ الخبيثتين وأَجْبَرتْنا على عُزلةٍ قاتلةٍ. هؤلاء الألمان والأوروبيون يُحزننا موتُهم بواسطة أجسادٍ نتنةٍ مُتفجرةٍ سواء كان في سوسة (تونس) أو في أيِّ مكانٍ على سطحِ الكوكب.. موتُ هؤلاء البشر بالتأكيد لا يُبهجُ إلا مَن كان مزروعاً في حقلِ الكراهية».