دارت كاميرا جود سعيد (1980) قبل أيام في ريف اللاذقية لتسجيل اللقطات الأولى من فيلمه الجديد «درب السما»، على أن يستكمل التصوير في حمص ودمشق. سوف تكون الحرب الدائرة في البلاد منذ سنوات حاضرة بالطبع، ذلك أنّ السينمائي السوري لم يعد بإمكانه إغماض عينيه عن تراجيديا بهذا الاتساع، فتجاهل وليمة الدم سيكون ضرباً من الترف البصري. السيناريو الذي كتبه رامي كوسا عن فكرة لصاحب «مرّة أخرى»، خضع لتعديلات متتالية عن طريق ورشة كتابة. وإذا بالقماشة الأولى للفيلم، تذهب إلى مناطق أكثر جذرية في فحص «الألم البشري»، أو كما يلخّص جود سعيد مصائر أبطال فيلمه بأنهم يبحثون عن «حياة أقل موتاً».
كوميديا سوداء طالعة من عمق المأساة السورية


نحن إذاً، إزاء رحلة تيه لعائلة وجدت نفسها في قلب الحصار، لحظة الاستعداد لعرس الابن الذي فقد بصره في أحد التفجيرات التي طالت الحي المتاخم لمدينة دمشق. فقد أصرت حبيبته على إقامة العرس قبل موعد إجراء عملية جراحية للعريس بأسبوع، لكن العرس لن يكتمل كما ينبغي نتيجة قصف الحي كردّ على القذائف التي كان يطلقها المسلحون على العاصمة، فيكملونه في كوريدور البيت. يتمكّن العم من تأمين بطاقة خروج للعريسين من أجل إجراء العملية، فيؤخذ الأب كرهينة إلى وقت عودتهما، لكن تأخرهما عند الحاجز العسكري يطيح موعد العملية، فيضطران لتأجيلها. في هذه الأثناء، يسيطر المسلحون على الحي، ويحبس الأهالي في بيوتهم عدا ساعة واحدة للتسوّق، لتتناسل حكايات جانبية عن عشق مراهقة لجارها الذي يلتحق بالمسلحين، قبل أن ينتهيا شنقاً على السطح. كما سنتعرّف إلى مصففة شعر، ولحّام يرغب بأن تلتحق ابنته بفحص البكالوريا. وحين تتاح الفرصة للعائلة بالخروج من الحي، يوافق الأب على أن ترافقهم ابنة اللحام. وحين تضيق سبل العيش في دمشق، تضطر العائلة إلى الهجرة إلى قرية في الساحل، كان الأب قد غادرها باكراً، وهناك ينشب صراع شرس مع شقيقه الذي استولى على أرضه، فينصب الأخ القاسي فخاً لشقيقه يقوده إلى السجن، ثم يساومه على التنازل عن الأرض مقابل خروجه من السجن. يعود الأب- وهو معلم لغة عربية سابق- إلى التدريس في مدرسة القرية، كي تتابع ابنة اللحام دراستها، كما ستقع في حب مدير المدرسة. وحين يقرران الزواج تُحاصر القرية، ليبدأ العرس لحظة سقوط القرية بيد المسلحين فيرحل أهالي القرية بأكملها إلى أرضٍ خلاء متممين الاحتفال بالزفاف في متاهة الدروب. جرياً على أسلوبيته في السرد، يراكم جود سعيد تدريجاً شحنات من الكوميديا السوداء الطالعة من عمق المأساة السورية. صحيح أن العرس أقرب ما يكون إلى المأتم، لكنه ينطوي على فانتازيا هجائية للموت، بإشارات حاسمة تخفّف حجم الشجن، فشخوص الفيلم يتشبثون بأملٍ غامض، رغم حطام حياتهم. القرية المنكوبة سوف تضطر إلى المشاركة في إحدى المباريات في غياب الذكور. هناك من انتهى بقدم واحدة، وآخر بكرسي متحرّك، فيما تعمل النساء في التهريب. وصول قدم صناعية إلى القرية، أحيا روح البهجة مؤقتاً، ذلك أنّ تيروموتر الأمل في صعوده وانخفاضه هو إكسير الغد في رحلة التيه. أوديسة سورية بكعب أخيل مكشوف، بمثابة شهادة على «عرس الدم» الذي ينهض على حكايتين متصلتين، من دون اصطفافات إيديولوجية. نحن ــ وفقاً لما يقوله صاحب «مطر حمص» ــ نحتاج إلى «عقد اجتماعي جديد، مدماكه الأساسي هو المواطنة، لإعادة بناء الخريطة الممزّقة على نحوٍ آخر».
في هذا السيناريو الذي يبدو مزيجاً سردياً من فيلميه «بانتظار الخريف»، و«مطر حمص»، تتخذ سينما المؤلف منحى مختلفاً، عمّا راكمته تجارب سينمائيين سوريين آخرين لجهة النبرة الحكائية وزاوية النظر والتوقيع الشخصي، إذ يلفت جود سعيد إلى الدمغة الصريحة لبطل فيلمه أيمن زيدان في ترسيخ خطوط السيناريو مشهداً وراء آخر، عبر جلسات مطوّلة من تبادل الأفكار والتصورات والاقتراحات البنّاءة. سنلتقي شخصيات أخرى سيكون لها حضورها اللافت في الشريط مثل: صفاء سلطان، ونوّار يوسف، ومحمد الأحمد، وزهير عبد الكريم، وحسين عباس، بمواكبة مدير التصوير وائل عز الدين، ومدير الإنتاج سامر رحّال (إنتاج المؤسسة العامة للسينما، وآدامز برودكشن).