تظاهرة السينما الأقدم في التاريخ تعود للمرّة الـ 73. «مهرجان البندقية السينمائي» (31 آب/ أغسطس – 10 أيلول/ سبتمبر) يؤكّد مجدداً شراسته الدولية، من خلال برمجة تجمع بين الكبار والمخضرمين والعدّائين الجدد. ينتظرنا جديد كل من تيرانس ماليك، وفيم فندرز، وأمير كوستوريتسا، وفرانسوا أوزون وأندريه كونتشالوفسكي، وبابلو لارين، وميل غيبسون، ودنيس فلينوف، وتوم فورد ومارتن كولهوفن... الفتى الألمعي داميان شازل افتتح «الموسترا» بميوزكال رومنطيقي على الطريقة الكلاسيكية هو «أرض اللا لا» La La Land (داخل المسابقة) مدججاً بريان غوزلنغ وإيما ستون. المحنّك أنطوان فوكوا يستعدّ لاختتام المحفل الإيطالي بنسخة جديدة من الويسترن «السبعة الرائعون»The Magnificent Seven (خارج المسابقة)، الذي يفتتح أيضاً «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي» في الثامن من الشهر الحالي. أمر نادر الحدوث، خصوصاً أنّ «فينيسيا» اعتاد حصد العناوين المهمّة قبل نظيره الكندي. ألبرتو باربيرا الذي يتولّى الإدارة الفنيّة للعام الخامس على التوالي، أوضح سابقاً أنّهم في «تورنتو» لم يعودوا شديدي الحساسية تجاه عدد العروض الأولى، إضافةً إلى التنسيق المتزايد مع المنافسين اللدودين كان وبرلين. الإنتاجات الأميركية تحظى بمواعيد العرض البارزة (7 أفلام تتنافس على «الأسد الذهبي»). القيمة الفنيّة حاضرة، كما في كثير من الأشرطة الآتية من آسيا وأفريقيا، إلا أنّ كل شيء يهون من أجل النجوم وفلاشات السجادة الحمراء. المهرجانات بحاجة إلى بهرجة كهذه، ولو كانت بثقل «البندقية». في الليدو، أُطلِق «سبوت لايت» Spotlight لتوم مكارثي العام الفائت، وقبله «بيردمان» (2014) لإيناريتو و«جاذبية» (2013) لألفونسو كوارون. كلها أشرطة تألقت أوسكارياً، وبرهنت على بصيرة ثاقبة للمهرجان العجوز عندما يتعلّق الأمر بالجوائز. لا بأس ببعض الأرقام. لدينا 20 فيلماً في المسابقة الرسمية، و18 خارجها. مسابقة «أوريزونتي» (آفاق) تقترح 19 عنواناً. النسخة 13 من قسم «أيام فينيسيا» تضمّ 11 شريطاً، فيما يعرض «أسبوع النقاد الدولي» 9 أعمال. لجنة التحكيم برئاسة الإنكليزي سام منديز، الذي تعود آخر مشاركاته إلى عام 2002 بـ Road to Perdition.
أعمال تسبر أمراضاً اجتماعية وعللاً وجودية من الهجرة إلى الاقتصاد الذي يُقصي البشر من محيطهم


اللافت هذا العام هو تسيّد أفلام الـ «جانر» (النوع أو الصنف)، بين الخيال العلمي والحقب الزمنية والويسترن والميلودراما واقتباسات الأدب والمسرح، على حساب دراما الواقع المعتادة. «في سنوات سابقة، أشرتُ إلى وجود رابط غير مفلتر بين سينما المؤلف والواقع والمجتمع المعاصر»، باربيرا أوضح خلال مؤتمر في روما، مستطرداً: «لكن السينما تتغيّر. لقد خرجتُ بانطباع مختلف من برمجة هذه السنة. مقاربة السرد تنحو أكثر نحو غير المعتاد واللامباشرة». هذا لا يعني أنّها ليست أفلاماً عن الراهن، بل إنّها تسبر أمراضاً اجتماعية وعللاً وجودية. تتكلّم عن الهجرة، وعن الاقتصاد الذي يقصي أعداداً متزايدة من البشر خارج محيطهم.
أخيراً، يحقق فيلسوف السينما تيرانس ماليك فيلمه الحلم. «رحلة من الزمن» Voyage of Time وثائقي بصوت كايت بلانشيت عن نشأة الكون وفنائه. هذا الجانب الفلسفي الوجودي ليس غريباً عن عالم ماليك الأخّاذ، الذي يستفيد من تقنية «آي ماكس» للسير على خطى كيوبريك في تحفته الثورية «2001: أوديسا الفضاء» (1968). بعد 9 سنوات على «عدني بذلك» (2007)، يرجع أمير كوستوريتسا إلى السينما الروائية في On The Milky Road. مغامرة ملحمية يقودها كوستوريتسا نفسه كممثل، على امتداد ثلاثة أزمنة. هو بائع حليب يعيش قصّة حب مع فاتنة هي مونيكا بيلوتشي. فيم فندرز ما زال شغوفاً بالتجريب في «الأيام الجميلة لأرانجويز» The Beautiful Days of Aranjuez. حديث بين رجل وامرأة عن الحب والجنس يدور في مخيلة كاتب شاب، ومصوّر بالأبعاد الثلاثية. السيناريو مأخوذ عن مسرحية لبيتر هاندي، وهو شريك فندرز في كتابة «أجنحة الرغبة» (1987). فيلموغرافيا الرائد الألماني لا تشهد صعوداً فنياً في السنوات الأخيرة. الاقتباسات تتوالى في «فرانتز» للفرنسي فرانسوا أوزون، ودراما الحرب العالمية الثانية Paradise للروسي أندريه كونتشالوفسكي، و Brimstone للألماني مارتن كولهوفن الذي ينجز أول أفلامه الناطقة بالإنكليزية. في «حيوانات ليلية»، يعود مصمّم الأزياء والسينمائي الموهوب توم فورد إلى البندقية بعد «رجل أعزب» عام 2009. إيمي آدامز وجايك جلينهال ومايكل شانون يلعبون دراما مشوّقة داخل عالم الجريمة السفلي في تكساس ولوس أنجليس. امرأة حائرة بين زواج حالي وذكريات زواج سابق، تساورها شكوك قويّة بإمكانية قتلها. لا شكّ في أنّ فورد قادر على استخراج أعمق ما في نفوس أبطاله، كما فعل مع كولن فيرث في باكورته. آدامز تقود شريطاً آخر هو «وصول» (اسمه السابق «قصة حياتك») لدنيس فيلينوف. الكندي المتوهج رسم لنفسه مساراً خاصاً منذ «حرائق» (2010)، توّجه بـ «عدو» (2013) و«سيكاريو» (2015). آدامز تمسك بزمام خبيرة لغات تعيش فقد ابنتها. تكلّفها الحكومة الأميركية التواصلَ مع فضائيين هبطوا على الأرض دون أن يبدوا سلوكاً عدوانياً. طرح بعيد عن كليشيهات الكائنات الشريرة التي تعيث فساداً في الكوكب (كندي آخر خبير بذلك هو رولاند إيمريش). ناتالي بورتمان تحطّ بعنوانين هي الأخرى. البيوغرافي المرتقب «جاكي» للتشيلي النشط بابلو لارين، الذي شارك في «مهرجان كان» منذ أشهر بشريط بيوغرافي آخر هو «نيرودا». «جاكي» يمرّ على أربعة أيام من حياة جاكلين كينيدي، بادئاً قبل اغتيال زوجها الأول مباشرةً، مع بيتر سارسجارد في دور روبرت كينيدي وغريتا غيرويغ كموظفة في البيت الأبيض، والسينمائي دارين أرنوفسكي الذي جلب الأوسكار لبورتمان في «البجعة السوداء» (2010) كمنتج. هذه الأخيرة تشارك في «القبة السماوية» Planetarium لريبيكا زولوتسكي، عن أختين قادرتين على التواصل مع الأشباح. علم العم سام يخفق فوق «الدفعة السيئة»The Bad Batch للإيرانية الأميركية آنا ليلي أميربور، التي قدّمت أول مصّاصة دماء إيرانية في باكورتها اللافتة «فتاة تسير وحيدةً ليلاً» (2014). هذا عمل عن الحب البائس، عن المنبوذين الباحثين عن النجاة، مع جيم كاري وكيانو ريفز. لا ننسى أيضاً «النور بين المحيطات» لديريك شيانفرانس. دراما تخلق في منارة أوسترالية منعزلة بعد الحرب العالمية الأولى. فيلمان إيطاليان عن تيمة «سن البلوغ» يسابقان على الأسد الذهبي: «هذه الأيام» لجيسبي بيكيوني، و«ريشة» لرون جونسون. الزوجان ماسيمو داونولفي ومارتينا بارنتي يصيغان المشاركة الإيطالية الثالثة خارج المسابقة بعنوانSpira Mirabilis. تسجيلي ملتقط في بلدان متعددة وصف بأنّه «سيمفونية بصريّة عن الخلود». لا بدّ من باولو سورنتينو في الموسترا، ولو بعمل تلفزيوني. تعرض أول حلقتين من مسلسله «البابا الشاب»، مع جود لو في البطولة. من آسيا، تصل أفلام من الفيليبين واليابان ونيبال والصين. كذلك، يلقي فينيسيا تحية وداع على الراحلين الكبيرين عباس كيارستمي ومايكل شيمينو. الأول بعرض أول لفيلمين قصيرين له ووثائقي عنه، والثاني بعرض تحفته «عام التنين» (1985).
الحضور العربي يتمثّل في 3 أفلام و7 مشاريع، مع مشاركات في الأقسام والأنشطة الموازية. الوثائقي الطويل The War Show لعبيدة زيتون وأندرياس داسلغارد يفتتح مسابقة «أيام فينسيا»، إضافة إلى الوثائقي القصير «بلا حدود» للعراقي حيدر رشيد. ضمن القسم نفسه، يُعاد عرض «على حلّة عيني» للتونسية ليلى بوزيد، باعتباره أحد الأفلام الفائزة بجائزة السينما الأوروبية (فيليكس). أيضاً، هناك الفيلم القصير للتونسية درية عاشور بعنوان «الباقي صنيعة الإنسان» في الأوريزونتي. ضمن مشروع «جسر فينيسيا للإنتاج»، الذي ينطلق هذا العام للمرة الأولى في «سوق فينيسيا السينمائي»، تشارك أفلام «واجب» لآن ماري جاسر، و«طبيعة الوقت» لكريم موسوي، و«قابيل وهابيل وراعية البقر» لدينا صلاح عامر. في ورشة «فاينال كات فينيسيا» (ما بعد الإنتاج)، تشارك مشروعات أفلام «ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح، و«اصطياد أشباح» لرائد أنضوني، و«عتمة» لسؤدد كعدان، و«هذه الأيام» لنديم ثابت. في لجان التحكيم، تحضر الممثلة المصرية نيللي كريم في مسابقة «آفاق»، كذلك يحضر الأب بطرس دانيال رئيس المركز الكاثوليكي للسينما، عضواً في لجنة تحكيم مسابقة SIGNIS. «مركز السينما العربية» يشارك بإدارة علاء كركوتي مدير Mad Solutions، مع عددين من «مجلة السينما العربية»، أول مجلة عربية تتوجه إلى المشهد السينمائي الدولي باللغة الإنكليزية.