خمسون عاماً مرت على إطلاق «ستار تريك»، ملحمة الخيال العلمي الأميركية التي غيّرت شكل الدراما التلفزيونية إلى الأبد وأعطت أجيالاً من الأميركيين صورة محتملة لما يجب أن يكون عليه المستقبل. السلسلة كانت دوماً منبر الـ «استبليشمنت» الأميركية لطرح أهم أفكارها السياسية والثقافية من خلال ثقافة شعبية دخلت كل بيت أميركي، وعكست، بشكل أو بآخر، تحولات الفكر السياسي الأميركي في النصف الثاني من القرن العشرين.

في ٨ أيلول (سبتمبر) ١٩٦٦، عرضت الحلقة الأولى من مسلسل خيال علمي جديد على تلفزيون NBC الأميركي اسمه «ستار تريك». الحلقة التجريبية الأولى من المسلسل - الذي كان عملاً دراميّاً أول لطيّار أميركي متقاعد، انتقل إلى لوس أنجليس ليجرّب حظّه في الكتابة للتلفزيون - كانت قد رفضت بوصفها عملا جاداً، شديد البرود يفتقد للعاطفة الدراميّة. الطيّار المتقاعد جين رودنبري لم ييأس، بل أنجز حلقة تجريبية ثانية قدّم فيها النجمين ويليام شاتنر في دور الكابتن كيرك، وليونارد نيومي في دور سبوك - ذا فولكان. انقسم النقاد وقتها حول المسلسل. قبل «ستار تريك»، كانت أعمال الخيال العلمي إما شديدة التسطيح أو مهووسة بالنظريات العلميّة. منذ حلقته الأولى، تميز «ستار تريك» بأنه كان معنياً بطرح الأفكار السياسية والمعضلات الأخلاقية في أجواء مستقبليّة. لذا، فإنّ بعضهم اعتبره إضافة نوعية في مجاله. لكن الـ «نيويورك تايمز» مثلاً حذرت منه بوصفه مسلسلاً طويلاً آخر لن نخرج منه بسهولة، لأننا سنعلق مع العالقين في الرحلة الفضائية التي لا تنتهي. استمر عرض المسلسل لموسمين متتاليين بنجاح محدود شعبياً، وكادت NBC أن تلغيه لولا احتجاجات مجموعات من الطلاب الجامعيين، وتدخل مراجع عليا في الـ «إستبلشمنت» الأميركية لم يكن أقلها إسحق عظيموف، العالم الأميركي المشهور ورائد الكتابة الشعبية العلمية. هكذا أُنتج من «ستار تريك» موسم ثالث عرضت حلقاته الأسبوعية في وقت ميت من مساء الجمعة، فلم تساعد على توسيع شعبيته. توقف المسلسل في ١٩٦٩ وظن الجميع وقتها إنه انتهى إلى غير رجعة. لكن العمل تحوّل شيئاً فشيئاً إلى ظاهرة ثقافية هائلة وأهم عمل دراما في تلفزيون الخيال العلمي الأميركي من خلال إعادة عرضه مئات المرات على تلفزيونات الكوكب الأرضي كله خلال السبعينيات. تذكّروا وقتها أن التلفزيونات كانت أمراً حديثاً نسبياً وأنه كان هناك عدد محدود من القنوات - الحكومية غالباً - في كل بلد. كما شهدت تلك المرحلة فورة اهتمام شعبي على نطاق عالمي باستكشاف الفضاء، بعد ادعاء السلطات الاميركية بأنها أرسلت مراكب مأهولة إلى القمر وعرضت مشاهد مباشرة - كما قالوا - لنيل أرمسترونغ وهو يتحدث إليكم من هناك ومن خلفه عَلمٌ أميركي فخور. «ستار تريك» لم يعرض وقتها أي مشاهد عري صارخ أو جنس أو حتى عنف دموي. لذا فقد عرض على كل الشاشات من دون تحفظ، إذ يبدو أنه لم يتنبه أحد من خبراء الرقابة الأذكياء وقتها للمحتوى السياسي للعمل. في الحقيقة إنه القدر: لم تكن الحاجة ماسة لعمل تلفزيوني عن الفضاء والمستقبل والخيال العلمي كما كانت مرحلة السبعينيات، ولذا جاء «ستار تريك» كحل سحري وفي وقته تماماً. انفجار الشعبية على نطاق عالمي فرض على هوليوود فكرة إعادة تقديم العمل من خلال السينما. هكذا، فإن جمهور السبعينيات الذي تربى خياله على مسلسل «ستار تريك»، كان أكثر من جاهز، بل متشوقاً لمشاهدة أفلام «ستار تريك» بدءاً من عقد الثمانينيات. كانت تلك خبطة عبقرية بحق!
المسلسل تقنياً ليس فيه كثيرُ «خيال علمي» يمكن أن يرضي فضول العلماء، بل يعاني من مصاعب نظرية كثيرة في علاقته بقوانين الفيزياء. حتى فكرته عن تطور أزياء المستقبل ومفروشاته وخطوط موضته تتسم بكثير من البلاهة، لكن جرعة السياسة والفلسفة الأخلاقية للحكم فيه كبيرة للغاية حتى أنها تكاد تطغى على كل ما عداها. يجب أن نتذكر هنا أن الأعمال الدرامية - تلفزيون وسينما - التي تنتمي للثقافة الشعبية مثل «ستار تريك»، يمكنك أن تفسرها في نطاق بين اتجاهين: هي إما انعكاس لثقافة النخبة المهيمنة على مقاليد الأمور وتمثلٌ لرؤيتها للعالم أو - في النقيض - هي عملٌ موجهٌ واعٍ، تستثمر فيه النخبة ذاتها لتشكيل عقل الطبقات الخاضعة وتوجيهها بما يكفل - في مجموع الجهود - دوام الهيمنة وتكريسها وأيضاً وفق رؤيتها الذاتية للعالم. مهما كان موقفك، فأنت بالطبع تتساءل ما هي الفكرة الناظمة السياسية لـ «ستار تريك» كصورة رؤية النخبة الأميركية لدورها في العالم؟
أولاً المسلسل برمته في مواسمه الثلاثة الأولى، كان صياغة لأفكار ورؤية جين رودنبري. الرجل هو نفسه نموذج البطل الأميركي الأبيض وابن المنظومة التي تنتج الفكر السياسي الأميركي. ولد في تكساس وعمل طياراً في بدايات الطيران المدني، ثم انخرط في سلاح الجو الاميركي خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن يتقاعد بعد الحرب، ويتفرّغ لهوايته في كتابة الخيال العلمي، التي انتهت به بعد صراع شديد مع هوليوود إلى إطلاق مسلسل جريء ما لبث أن تحول وإبطاله - كحلم أميركي جميل - إلى أيقونات دراما عالميين. جيل رودنبري كان جيل الدفاع عن الديمقراطية الغربية من خلال العمل العسكري الصارم وأفكاره في هذا الإطار واضحة في كتاباته.
ثانياً، إنّ المسلسل - زمانياً وفكرياً - ابن مرحلة كينيدي في السياسة الاميركية. الكابتن كيرك، الشجاع والوسيم والشديد الحيوية، هو صورة الرئيس العتيد الذي «أعلم أميركا أنها تقف على حدود بداية مرحلة جديدة من تطورها الليبرالي الحر»، والسفينة «يو أس أس انتربرايز» هي في مهمة لاختراق حدود هذه المرحلة الجديدة وستأخذنا إلى حيث لم يمض البشر من قبل. الفيدرالية المتحدة للكواكب هي نفسها الولايات المتحدة الأميركية، والكلينجونز الأشرار هم الاتحاد السوفياتي. الكابتن كيرك يحب «السلام العالمي»، لكنه مستعد مثل كينيدي تماماً للذهاب إلى أقصى الإجراءات من أجل الدفاع عن «الحريّة». ألم تكن القوات الأميركية في فيتنام أصلاً من أجل هذه الحريّة؟
لكن المسلسل لم يكن يتحدث بالتأكيد بنفس وطني أميركي شوفيني. طاقم السفينة مثلاً وإن غلب عليه ذوو البشرة البيضاء، ففيه أميركيون من أصل ياباني وروسي وفرنسي وهسباني، بل إن الضابط المسؤول عن الاتصالات كان امرأة سوداء. الرسالة هنا واضحة بخصوص الطبيعة العالمية للأعراق في الإمبراطورية: القيادة بيضاء حكماً، لكن هناك عبور للحدود العرقيّة دون ذلك. في الجنوب الأميركي الشديد التعصب للعرق الأبيض، لم تكن تلك الرسالة مفهومة بعد، وهكذا تجنبت NBC عرض المسلسل في بعض المناطق لكن المسلسل كان يحكي بلسان التغيير والشباب الذي كان يتظاهر في الشارع ضد التورط الاميركي في فيتنام وللمطالبة بالحقوق المدنية. المسلسل بكل بساطة كان يقّدم صورة الإمبراطورية المقبلة، أميركا غداً. ورغم أنه يصور مستقبل الإمبراطورية الأميركية على أنها نوع من اشتراكية مساواة شمولية يحكمها نظام عسكريتاريا إسبارطي، فإن الكابتن كيرك في سلوكه الشخصي كان نموذج الفردية الأميركية التي احتفت بها الستينيات والسبعينيات: القدرة على الاختلاف، تحدى الآخرين وتقبلهم كما هم، انتقاد الأوضاع القائمة وأيضاً أن تكون بطلاً تغيّر العالم قبل أن تعود للعشاء. سبوك في المقابل مثّل نموذجاً للسياسي الأميركي- السوبرمان وفق مفهوم نيتشه: حيث الليبرالية السياسية المهووسة بالعلم والقادرة على التعامل مع الاشياء دون انفعال أو تسرع لحظي. طاقم ديفيد كاميرون في رئاسة الوزراء البريطانية أطلق على الرئيس الأميركي باراك أوباما اسم «سبوك» بعدما لاحظوا البرود الشديد والتجرد الذي يتعامل به. وتسرب الأمر بعد ذلك للصحافة وصار مصطلحاً. عندما توفي ليونارد نيومي، قال أوباما إنه دائماً أحب سبوك. أوباما كان يتحدث باسم جيل كامل كان يكبر في الستينيات من القرن الماضي، وشكّل «ستار تريك» وعيه السياسي، تماماً كما يتشكل وعي السياسيين اليوم - شاؤوا أم أبوا - من خلال «لعبة العروش» و«بيت من ورق».

كان العمل معنياً بطرح الأفكار السياسية والمعضلات الأخلاقية في أجواء مستقبليّة

اجتماعياً، كان المسلسل بمثابة تعليق الـ «إستبلشمنت» الأميركية على قضايا الشارع الأميركي. هو سخر من الهيبيين الفوضويين واعتبرهم ساهدين في أوهام مسمومة. الكابتن كيرك نفسه كان ناجياً من هولوكوست كوكبي سابق، خاض نقاشاً هاملتياً بشأن محاكمة النازيين السابقين. عندما قررت الممثلة السوداء نيشيل نيكولاس ترك دورها في المسلسل، رجاها السيد مارتن لوثر كنغ شخصياً أن تعدل عن قرارها، لأن غيابها كان سيزيل نموذج المرأة السوداء الناجحة ـ التي هي جزء من منظومة الإمبراطورية - نهائياً من الثقافة الشعبية للمرحلة. هناك نقاشات مهمة تجري بين بطلي المسلسل تكشف عن ثقافة متخذ القرار الأميركي تجاه أسئلة المرحلة. خذ مثلاً هذا المقطع: يقول أحدهم: يا سيدي لكن لم تحدث أي مذابح كبيرة تحت حكم هذا الديكتاتور. جواب سبوك: لكن الشعب لا يتمتع بالحريّة! وهكذا تقرر الإمبراطورية بمحض منطق القوة أن تحرر الشعب من الديكتاتور، ولو أدى ذلك إلى وقوع مذابح. ألا يبدو ذلك مألوفاً لديكم؟ حتى عندما تتم مناقشة شخصية الشرير «خان»، هو شرير ليس لأنه سيئ، بل لأنه خطير وليس منا ولا يحبنا. إذن هو عدو للحرية ولقيم الإمبراطورية. فعلاً لقد أدخلتنا الإمبراطورية «في الظلام» (عنوان نسخة الفيلم في ٢٠١٣) .
لعل أهم نقاط ضعف نظرية «ستار تريك» هي في غياب أي تفسير لكيف وصلنا إلى المستقبل الاشتراكي التوليتاري العسكرتاري هذا. كيف نجحت الإمبراطورية في القضاء على الفقر وتكريس المساواة (بين الشعب فحسب - دع عنك القيادة)؟ لا نعرف. كيف انتفت الحاجة للنقود وما هو النظام الاقتصادي الذي يسمح ببناء سفن فضائية مقاتلة مثل الإنتربرايز؟ لا نعرف. كيف يكسب الناس أرزاقهم في مجتمع الإمبراطورية وكيف حلّت مشكلة الندرة؟ لا نعرف. كيف تتم التجارة عبر الكواكب وكيف تسدد أثمان المنتجات؟ لا نعرف. لقد ماتت الرأسمالية وانتصرت الاشتراكية ونحن نيام!
«ستار تريك» يقول لنا أيضاً إنّنا استيقظنا على فجر الإمبراطورية وهي خالية من الآلهة والكتب المقدسة والأديان. الأفكار الدينية للشعوب الأدنى، تصور على أنها محض خداع يقوم به جهاز كمبيوتر أو وحش بلا قيم أميركية. ليست فقط الأديان غائبة، بل أيضاً كل أشكال الحياة المدنية.
هكذا بدون رأسمالية، ولا أديان، ولا حياة مدنية، تحول الشكل الأرقى للحياة في الكون - وفق «ستار تريك» دائماً - إلى مؤسسة عسكرية قائمة على أسطول من مركبات فضائية هائمة في الفضاء تقودها سفينة الإنتربرايز. ويتم تلفيق ما يتناقض مع الخيارات الاشتراكية للإمبراطورية من خلال أدوات تكنولوجية - غير مقنعة، كأنها أشبه بجهاز الكفتة المصري المشهور.
«ستار تريك» يقدم حلماً ساذجاً على الصعيد الفكري ليوتوبيا اشتراكية طفولية تدعي أنها حررت العالم من أمراضه من دون أي خبرة تاريخية حقيقية. هذه اليوتوبيا ذات نفس توليتاري عسكريتاري بألوان أميركية سطحية - لا يمكن أن تتحقق من دون خيارات موحدة وحكم عسكري وانعدام للحياة المدنية. إنها فاشية جديدة أشبه ما تكون بدولة الرايخ الثالث، من دون أدنى تأنيب ضمير. هكذا عندما سأل الكابتن كيرك إذا كان يقبل التنازل عن منصبه مقابل السلام، كان موقفه أنني أصلاً في منصبي في مهمة من أجل السلام!
القصة في «ستار تريك» ليست سرداً متصاعداً عبر المسلسل الأصلي والأفلام اللاحقة ، بل فيه تراجعات تاريخية وهفوات سرد غطى عليها أن العمل يحدث في إطار الخيال العلمي، وبالتالي كثيراً ما فسرت التناقضات في القصة عبر فكرة السفر عبر الزمن أو الانتقالات الموجية وغير ذلك. وبالطبع، فإن كل مخرج ترك بصمته الخاصة على العمل سلباً أو إيجاباً، لكن تجربة جيه. جيه. أبرامز في نسختي ٢٠٠٩ و ٢٠١٣ كانت الأهم. النسخة الأخيرة التي صدرت في ٢٠١٦ (ستار تريك: المابعد) كانت بتوقيع جستن لن وحصلت على اهتمام مقبول تجارياً، لكنها لم تقدّم الكثير لنظرية العمل الدرامي الأساسية أو للسرد.
على صعيد صناعة التلفزيون، فإننا مدينون لـ «ستار تريك» بالذات بتغيير فكرة ملايين المتلقين عن مفهوم العمل التلفزيوني ذاته. قبل الثنائي كيرك وسبوك، كانت الأعمال تُحب ولكن تشاهد وتنسى مثل منديل ورقي مستعمل. بعد انفجار شعبيته في السبعينيات، علّم «ستار تريك» هوليوود قيمة تحويل المسلسل إلى ماركة مسجلة تنطوي تحتها كل أشكال التجارة الممكنة: مسلسلات متكررة وإعادات وأفلام سينمائية ومطبوعات وألعاب وشنط مدرسية ...إلى آخره. اليوم، تحاول هوليوود أن تجعل من كل عمل جديد «ستار تريك» آخر لو أمكن!
«الإمبراطورية» لا تفهم بوصفها حكماً للزمان والمكان (والفضاء) في لحظة محددة من تاريخ العالم، بل هي حركة دائبة على توحيد الأزمنة والأمكنة و«الفضاءات» من خلال طاقات القوى الاجتماعية المتفوقة، في سعيها الحثيث للتحرر من الطابع الدوري لمسار التاريخ. الإمبراطورية تريد أن ينتهي التاريخ عندها. «ستار تريك» ـ وهو عمل مسلٍّ لطيف ولا بأس به درامياً - هو في المعنى الكلي صورة المستقبل كما رأته الـ «إستبلشمنت» الأميركية عبر خمسين عاماً مضت. هو أمر يدعو للقلق: لأننا نعرف أن البشر يتخيلون شكل المستقبل، ثم بعدها يشتغلون على بنائه. وصورة مستقبل البشرية كما تشتغل عليه الإمبراطورية الأميركية بوصفها الفاعل الأوحد تقريباً، تبدو كما في «ستار تريك» كالحةً كالحة، ولو طارت في الفضاء.