في مجموعتها الخامسة «خريف يذرف أوراق التوت» (دار همايل ـ أبو ظبي)، تجسد الشاعرة السورية جاكلين سلام (1964) وجهة نظر شعرية تسكن جسد وروح امرأة في الخمسين تقف وحدها على حافة العالم البعيد وتسأل ذاتها كما تسأل العالم كله: ماذا بعد أيتها الغربة؟ ماذا أيها الجسد؟ ما الذي ينقص الروح؟ وماذا تريد الحرب؟ تسأل صاحبة «كريستال»: ما الذي يُنجيني ويدفعني للخلاص والارتماء في حضن الأرض التي هي أمي؟

شاعرة وكاتبة ومترجمة وصحافية، تعمل حالياً في حقل الترجمة الفورية في تورنتو (كندا)، حيث تقيم منذ عام 1997، سبق أن نشرت مقالاتها في أدبيات وصحف عربية على مدى 20 عاماً. صاحبة «جسد واحد وألف حافة» قسمت نصوصها في جديدها الى أربعة فصول: جسد وحيد على حافة الخمسين، المنفى ونهاية العالم، فصول الأنثى الثانية، أمي – الحياة. من خلال العناوين، يستطيع القارئ التعرف إلى مسار مجموعتها: خريف يذرف أوراق التوت، الذي يحمل ملامحه الدرامية المؤثرة. بالتناقض مع هذا الإيقاع الدرامي والنفسي في مجموعة سلام، نقع على خلفية ما لإيقاع ذهني بدرجة أولى، إذ لا يتوافق كل نص مثلما ظنناه لوهلة أولى، مع لوعات قصوى وحنين مفتح، وإنما مع الاعتناء بالفكرة. هذا ما يفسّر وقوعنا على نصوص شعرية طويلة نسبياً عن سابقاتها خدمة للفكرة والغاية في تقديم جزء أو زمن من حياة الشاعر في بلد اغترابها الجغرافي وفي بواطنها المنهكة من هذا الاغتراب.
في ومضات واعية، تشتغل الشاعرة على نصوصها لتبدو كلاً متكاملاً منها ومن أفكارها ومشاعرها، ويصّح الأمر مع النصوص القصيرة ذات المقاطع المعزولة بالفراغ. نصوص سلام تقترب من النثر، مع تلك المزاوجة بين إتاحات الشعر المتعارف عليه ووسائل السرد. كل ما يوجد في المجموعة من رقة وشعور بالكليات الكبرى للكون ولعالم جغرافية جسدها الصغير، يستجيب بسرد بسيط للفكرة التي تملكها الشاعرة عن الشعر.
تكرر سلام السؤال نفسه بإصرارها الملتاع: ما الذي يعنيه بيتي؟ هذا الركن الفارغ المعلق في شرق تورنتو، الخالي من الحبيب، والأولاد، والأهل؟ كتاب أبحرت من خلاله في نص عنونته: الحب في الخمسين. تقول: «أردت القول فيه وعبر خمسين قصيدة ما يُشبه هذه المرحلة الكونية التي نمر بها، وخلقت لها سياقاً نصياً تقوم فيه هواجسي ورؤاي كامرأة مغتربة في غمار مرحلة لا تكفي كل الأصابع لتعداد خيباتها ومسراتها». حاورت الشاعرة الموت ووجدته أمياً لا يقرأ القصائد، فأقامت حوارات مع كائنات مغتربة مثلها وتحاول الترويج للخلاص من خلال الدين، أو التلاشي في العدمية والفناء، كما يحتل الحب الجسدي مختلطاً بنزعة روحانية مساحة من النصوص.
تبدو واضحة إرهاصات الغربة على مفردة الشاعرة، إذ أضافت إليها نكهة المنفى اللاذعة، والوجد، والقصيدة يوم الأحد وهي تلبس قميص نوم أبيض، ونكرانها سماع الأخبار عن الحرب الدائرة في بلادها، وتلك الأيام باللون الأزرق التي تشي بعض النصوص، والسكينة الفائضة الملتبسة: «مفرداتي أشجار لا تذهب الى الحرب وتشبه حديقة أمي السورية التي تريد السلام».
نقرأ نصوص سلام المبنية على الوحدة في جذرها الأساس (على اليُتم بمعناه المجازي) فنراها منظمة مع ذلك، لكن بشكل ضيّق ومن دون أن تكون سوداوية بل مرتكزة على بعض الموضوعات الكبرى. الموضوعات التي سرعان ما تتطور انطلاقاً من ذات الشاعرة الى حالة موسيقية، دائرية، تنشد السلام والانسجام، وتناشد القوى البديلة – بديل الحرب والموت – لكي تصالحها وتمنحها الطمأنينة بشكل صاف.
بين النظام والتمرد، اختارت سلام لمجموعتها، نظاماً كتابياً يجد الإنسان مكاناً فيه، ولا يأتي التمرد هداماً، بل عبثياً وساخراً.