من بين المفارقات الكثيرة في المشهد الثقافي التونسي ندرة الكتب التي تهتم بالمسرح التونسي الذي يتميز بكثافة في الإنتاج، وبتشريعات قانونية تنظّم المهنة منذ ستينيات القرن الماضي، وعراقة في التجربة تعود إلى مطلع القرن العشرين زمن الاستعمار الفرنسي.

هذه الندرة في المتابعة النقدية يحاول عدد من الجامعيين معالجتها من بينهم محمود الماجري «مدير المعهد العالي للفن المسرحي» في تونس. في تعاون مشترك بين «المعهد العالي للفن المسرحي» و«دار سحر» في تونس، أصدر الماجري أخيراً كتاباً بعنوان «مسارات نحت الذات في المسرح التونسي».
يتناول الماجري في الكتاب مجموعة من القضايا المرتبطة بمسارات ما سمّاه «نحت الذات» مثل قضايا مسرح العرائس، والتكوين، والاحتراف المسرحي، والدعم المالي الرسمي، والدراما الإذاعية وعلاقتها بالمسرح، ومسرح الطفل، وقضايا التجريب والمسرح في الوسط المدرسي والجامعي. يورد محمود الماجري: «إنّه لمن المفارقات الصارخة في المسرح التونسي، كثرة الانتاج وندرة الدراسات. فالمواكب لما يخرج إلى الناس في كل سنة من أعمال مسرحية ضمن برامج العروض المألوفة أو المهرجانات المختصّة، لا يمكنه إلا أن يسعد أمام هذا العدد الهائل من المسرحيات التي تتوجّه إلى كل الشرائح العمرية والاجتماعية وفي أساليب فنيٌة متنوعة».
ولكن هذه الكثافة والتنوع لم ينتجا مدونة نقدية تواكب المسرح التونسي. الكتب التي اهتمت بهذا المحترف، لم تتجاوز خمسين عنواناً. يقول في هذا السياق: «كيف يمكننا تفسير وجود أقل من خمسين تأليفاً تاريخياً تحليلياً لنشاط مسرحي تجاوز عمره المئة سنة إذا اعتبرنا ١٩٠٩ تاريخ أوّل عرض مسرحي تونسي، وغفلنا عن كل ما عرفته البلاد من عروض قبل ذلك التاريخ؟».
يهدف هذا الكتاب الذي يأتي بعد كتابيه المرجعيين «مسرح العرائس في تونس من ألعاب كاركوز إلى العروض الحديثة»، و«من وثائق المسرح التونسي» إلى تقديم رؤية تحاول المساهمة في تفكيك ما ألغز من أسئلة على حد تعبيره بحثاً «عن الصورة» التي سعى المسرحيون التونسيون إلى تشكيلها للمسرح التونسي في سياقه الوطني. يؤكد الماجري أنّ التحوّلات التي تعرفها البلاد منذ ست سنوات، دعت المسرحيين إلى إعادة النظر في دور المسرح والمسرحي في المنعطف الكبير الذي تعيشه تونس.