في زمنٍ ما (كما في كلِّ زمن) كان على الأرضِ ناسٌ سُودٌ وناسٌ بيض.

وكما في كلِّ زمن (بعد أن دُبِّـرَتِ الأسبابُ وأُرغِمَ الناسُ على تصديقها)
وقعت الحربُ بين السودِ والبيض.
هبَّ سودٌ كثيرون وبِيضٌ كثيرون.
تَباغَضَ وتَذابَحَ سودٌ كثيرون وبيضٌ كثيرون.
كُفِّرَ وخُوّنَ بيضٌ كثيرون وسودٌ كثيرون.
خافَ بِيضٌ كثيرون وسودٌ كثيرون.
هاجَرَ، وهُـجِّرَ، وتَبَعثرَ، وغابَ، وغُـيِّبَ، وكَفَرَ، وآمَنَ (أو تَـدَرَّعَ بـمُسوحِ أعدائهِ) سودٌ كثيرون وبِيضٌ كثيرون.
وماتَ مَن ماتْ:
ماتَ كثيرونَ... وكثيرون.
.. .. ..
ثمّ، كما في كلِّ زمن (ربما بسببِ تعبِ المتحاربين، ونفادِ ذخائرِهم مِن الدماءِ والشجاعةِ والأمل...)
كان لا بدّ من وقوعِ السلام...؛ فكانَ سلام.
عادَ السودُ جميعاً (مَن نَجا مِنَ السود)، والبيضُ جميعاً (مَن كُتِبت له النجاةُ مِنَ البِيض).
وإذْ كان لا بدّ للدّيارِ العليلةِ مِن عيد:
جعلوا، لها ولأنفسِهم، عيداً...
عيداً عظيماً للسلام.
..
وهكذا (لنَهاراتٍ طويلة وليالٍ أشدّ طولاً)
جلسَ الجميعُ ( السودُ جميعاً, والبيضُ جميعاً) حول مائدةِ السلام:
أكلوا من لقمةِ السلام. شكروا نعمةَ السلام. تَرَنّموا (كلٌّ بحسبِ كتابِ لونِهِ ) بمدائحِ وأهازيجِ السلام.
وشربوا (شربوا حتى ثملوا) مِن خمرةِ السلام.
وطبعاً (إرضاءً للتاريخ, ولإبهارِ ضيوفِهم وجيرانِهم والغرباءِ مِن زائريهم)
جعلوا لأنفسهم وللتاريخ: «كعبةً شاهقةً.. للسلام».
..
لكنْ (بعدَ أن انتهت أعيادُ السلام, ونفدت خمرةُ السلام, وخمدت أناشيدُ كهنةِ السلام)
انتابَ الناسَ ضجرُ السلام.
التـَـفَـتَ السودُ إلى البِيض... فرأوا أنهم لا يزالون بِيضاً،
والبيضُ إلى السودِ... فَساءَهم أنهم لا يزالون سوداً.
قال البيضُ: أنتم لا تشبهوننا. فقال السود: أنتم لا تشبهوننا.
قالَ البيضُ: أنتم كَفَرةٌ، خَوّانون، قبيحون ولِئامُ الأفئدةْ./ قال السودُ: أنتم خبثاءُ، وشرّيرون، وزنادقة.
قال البيضُ: نحن على عقيدةِ حقٍّ, وأنتم على خُرافةِ باطل. فقال السودُ كذا وكذا وأَكثر...
قال البيضُ: أنتم أعداؤنا. وقال السودُ: أنتم أعداؤنا.
قال هؤلاء:... وقال أولئك:..
وكالعادة، كما في كلّ زمن (دفاعاً عن كرامةِ الحقيقةِ وعقيدةِ الحقّ):
كالعادة، كما في جميعِ الديارِ والأزمنة (وبدون الحاجة إلى اختراعِ الأسبابِ والدعوةِ إلى تصديقِها)
كان لا بدّ من... قيامِ... الحرب.
10/9/2016