لم تكد عاصفة صورة «فتاة النابالم» الفيتنامية التي أزالها فايسبوك على أساس أنّها صورة «أطفال عراة» (الأخبار 9/9/2016) تهدأ قليلاً لدى تراجع الشركة عن قرارها الشائن ضد صورة ذات قيمة تاريخية عالية، حتى عاد الموقع إلى الواجهة من جديد. هذه المرة من بوابة القدس المحتلة، حيث عقد مسؤولون رفيعون فيها إجتماعاً مع وزير الداخلية الإسرائيلي جلعاد إردان، ووزيرة العدل إيليت شاكيد، واتفقوا على العمل مع الجانب الإسرائيلي على إيجاد أفضل السبل لمواجهة ما سمياه «التحريض» على شبكة التواصل الإجتماعي الأكبر في العالم، وهو ما يثير مجدداً قلق المراقبين بشأن قدرة الشركات الأميركية الخاصة مثل فايسبوك وغوغل وتويتر على فرض مقاييسها الذاتية حول ما يمكن وما لا يمكن عرضه عبرها من محتوى.

تعمل السلطات الإسرائيلية على تشريع قوانين تسمح لها بإجبار الشركات التي تدير مواقع التواصل الإجتماعي على مراقبة وإزالة أي مواد قد ترى أنّها تتسبب في «تأجيج أعمال العنف»، وهناك مشروع قرار إقترحته المعارضة الإسرائيلية يسمح حتى بفرض عقوبات على الشركات التي لا تمارس رقابة ذاتية بشأن تلك المواد. وتدّعي الحكومة الإسرائيلية أن التحريض على السوشال ميديا تسبب على نحو واسع في «تصعيد موجة العنف الأخيرة» في الأراضي العربية المحتلة. وكانت محاكم إسرائيلية قد قبلت من حيث المبدأ دعاوى ضد فايسبوك رفعتها عائلات قتلى إسرائيليين تتهم الشركة بأن موقعها كان عاملاً مساعداً على تنفيذ الهجمات التي إستهدفت هؤلاء الإسرائيليين.
ووفق التصريحات بعد الإجتماع، يبدو أن الموقع الأزرق سينشئ فرق عمل تتعاون مع الجانب الإسرائيلي لمراقبة وإزالة المواد «المحرضة على العنف» من دون تحديد تفاصيل عن المعايير التي ستستخدم في ذلك، وإذا ما كانت ستشمل مواد ينشرها إسرائيليون، وتتضمن تعليقات تتسم بالعنصرية والكراهية ضد الفلسطينيين، كالبوست الذي نشرته وزيرة العدل الإسرائيلية نفسها على حسابها الخاص على فايسبوك. وكانت شاكيد قد أكدت أوّل من أمس أنّه خلال الأشهر الأربعة الماضية، تقدّمت إسرائيل من فايسبوك بـ 158 طلباً ومن يوتيوب بـ 13 طلباً لإزالة محتوى، فاستجاب الأوّل بنسبة 95 في المئة والثاني بنسبة 80 في المئة.
تتعرّض شركة فايسبوك لضغوط شديدة من دول مختلفة لفرض رقابة لصيقة على المحتوى، وقد شنت السلطات الأميركية والبريطانية حملة غير مسبوقة على شركات التكنولوجيا، مشيرة الى أنّها ستكون «شريكة الإرهابيين» في حال عدم تنفيذ المزيد من الخطوات العملية للتحكم في المواد المنشورة على مواقع التواصل الإجتماعي. وتزامن ذلك مع تسرّب أنباء عن ضغوط تتعرّض لها الشركات من دول خليجية لتمكين أجهزة الرقابة فيها من التحكم في المواد التي يُسمح بنشرها على المنصات الإفتراضية.
هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ فايسبوك تعد من أكثر شركات التكنولوجيا الخاصة تعاوناً مع الحكومات حتى الآن، إذ أشاد الجانب الإسرائيلي في المباحثات الأخيرة بإزالة الشركة لـ 95 في المئة من المواد التي إعترضت عليها السلطات الإسرائيلية، لكنه رأى أنّه لا بد من اتخاذ «المزيد من الإجراءات لفرض رقابة أشد على المنشورات». من جانبها، لم تعلّق فايسبوك حتى الآن على سؤال حول نسبة المواد المحرّضة على الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين التي أزالتها من موقعها، وإذا ما كانت تقبل إعتراضات من الجانب الفلسطيني بهذا الخصوص. علماً بأن هناك إنتشاراً واسعاً لمحتويات ينشرها متطرفون إسرائيليون تتسم بنفَس عال من العدوانية والعنصرية وكراهية العرب، ولم يلحظ إزالة أي منها تقريباً.
برغم أنّه لدى فايسبوك وشركات التكنولوجبا الحق القانوني في تقرير نوعية المحتوى الذي تسمح بنشره، إلا أنّ الهيمنة المتزايدة لشبكات التواصل الإجتماعي على المواد المتداولة في النطاق العام، وسيطرتها على الصحافة بشكلها الحديث، يطرحان تساؤلات عميقة بشأن تحوّل هذه المواقع في النهاية إلى أدوات هيمنة وتشكيل رأي عام تتحكم فيه الحكومات لبث أيديولوجياتها، بينما تمنع وجهات النظر المعارضة من الظهور.
وكان الصحافي البريطاني غلين غرينوولد قد وجّه رسمياً سؤالاً إلى فايسبوك حول ما إذا كان سيعمد إلى إزالة منشور بفيد بأنّ الإحتلال الإسرائيلي (أو العدوان السعودي على اليمن) غير قانوني، ويجب أن يواجه بكل الوسائل الممكنة، بوصفه تحريضاً على العنف. بالطبع فايسبوك لم يجب. ربّما ينتظر توجيهات لجان العمل المشتركة مع الجانب الإسرائيلي.