نحن نحب أن نخاف. نهوى التفرّج على مطاردة الأشباح والموتى العائدين، فيما نحتسي الشاي الساخن أمام الشاشة. ماذا لو نظرنا تحت السرير دون سابق إنذار؟ كيف عمل التلفزيون من تلقاء نفسه أثناء غيابنا عن المنزل؟ في منطقتنا، بيت مهجور تصدر من داخله أصوات بعد منتصف الليل. لنتسلل إليه كأيّ مراهقين حمقى. احذروا «البعبع» و«العاو» و«السعلوة» و«النداهة» و«الجاثوم». لا تفتحوا الباب للودودين أكثر من اللازم. لا تأمنوا الليالي المقمرة التي يُسمَع فيها عواء ذئب جريح. في الموروث الشعبي والحكي اليومي، تتجوّل تيمات الرعب وقصص الفزع بكثافة غريبة. اليوم، تبرهن هذه المنطقة على تفرّد لافت في شتى صنوف الهلع. قطعان الزومبي وأحفاد دراكولا والمستذئبون والقتلة المختلون ينتظرون بكثرة على قارعة الطريق. القتل سلس. الجحيم مقيم. الجثث ناطقة. الأشلاء متطايرة. باختصار، الرزق وفير.

في أدب الرعب، برز أحمد خالد توفيق كبطل للشباب من خلال شخصيته الأثيرة «د. رفعت إسماعيل» في سلسلة «ما وراء الطبيعة». أنيس منصور بالغ في شرح بعض أساليب تحضير الأرواح في كتابه «أرواح وأشباح». الخيال العلمي حاضر في أدب نهاد شريف ورؤوف وصفي ويوسف عز الدين عيسى ومصطفى محمود وطالب عمران ونبيل فاروق وسواهم. سينمائياً، هذا جنر شاق. دون عمله عقبات تقنية وهواجس إبداعية، تتعلّق بكيفية الاشتغال على تيمات كهذه. هل نبقى على السطح، أم ننجح في تسخيرها لطرح الراهن والشاغل والحالم بمستقبل أفضل؟ كصناعة، تلهث السينما العربيّة لإبراز رأسها وسط سينمات تنمو كل يوم. بالكاد، تحاول اللحاق بتحوّلات بلدانها في النوع الواقعي. تبنّي جنر شرطي كالرعب والخيال العلمي، يبدو ضرباً من الترف لدى الكثير من المنتجين والموزعين. كذلك يأتي همّ التلقي. المشاهد العربي جاهز للتفاعل مع الرعب الهوليوودي، والسخرية من نظيره المحلي. الخيال العلمي بحاجة إلى بيئة تقدّر التطوّر والبحث، بعيداً عن عادات التخلّف والجهل و«إن لم تنشرها، فاعلم أنّ الشيطان قد منعك». معظم العناوين العربية في هذه الأنواع متواضعة الطرح والمستوى التقني منها، «سر طاقية الإخفاء» (1959) لنيازي مصطفى، و«الإنس والجن» (1985) لمحمد راضي، و«جري الوحوش» (1987) لعلي عبد الخالق، وآخرها غير الموفق «وردة» (2014) لهادي الباجوري.

يأخذنا باباك أنفاري
إلى طهران 1988
حين يسقط صاروخ عراقي على بيت

مهرجان «مسكون» لأفلام الرعب والفانتازيا والخيال العلمي والإثارة (الثريلر) والحركة والأكشن الذي ينطلق اليوم 14، هو أول مهرجان في المنطقة العربية متخصص في هذا النوع من الأفلام. تنظّمه شركة «أبوط للإنتاج» بالتعاون مع جمعية متروبوليس، والـ ALBA، وموقع «سينموز» الإلكتروني. يُقام في «متروبوليس أمبير صوفيل» في الأشرفية، على أن يختتم في Station Beirut (جسر الواطي). أهم ما فيه أنّه يعتني بالجانب العملي منذ دورته الأولى. يقترح ورشتي عمل، إحداهما لخبير المؤثرات الخاصة والقوالب الاصطناعية دان فراي (Harry Potter and the Deathly Hallows و Game of Thrones وغيرهما)، والثانية لخبير المؤثرات البصرية شادي أبو (The Matrix Reloaded و300 وسواهما الكثير). كذلك، يعلن شريك المهرجان Cinemoz عن مشاريعه المقبلة في مجال المسلسلات التلفزيونية المستقلة، التي تتضمن مسلسلات رعب وفنتازيا وخيال علمي. طلاب السينما ستتاح لهم فرصة الاحتكاك والتشبيك مع ضيوف المهرجان من مخرجين وخبراء ونقاد وتقنيين، منهم التركي كان إفرينول الذي كتب وأنتج وأخرج أفلام رعب عدة ونال مجموعة من الجوائز في هذا المجال، والناقد السينمائي المصري جوزف فهيم، وهو عضو في «اسبوع برلين للنقاد»، والتشيكي كاريل أوخ (المدير الفني لمهرجان «كارلوفي فاري» السينمائي الدولي)، إضافةً إلى افريم ايرسوي، المخرج والسيناريست والخبير في برمجة مهرجانات أفلام الفانتازيا. نعم، الإنتاجات العربيّة في الرعب والفانتازيا قليلة كما لاحظ المدير الفني لمهرجان «مسكون» أنطوان واكد، رغم أنّ «المنطقة غنية جداً بمثل هذه القصص، ولكن قليل من السينمائيين يستفيد منها سينمائياً»، وفق البيان الصحافي الصادر عن المنظّمين. ثمّة تأكيد لافت على أنّ المهرجان «سيحاول تغيير هذا الواقع، وتمهيد الطريق لإنتاج أفلام من هذا النوع في المنطقة تتميز بالجودة»، مع سعي لأن يكون «محوراً لاستقطاب هذه الأفلام وإطلاقها ودعمها وتسليط الضوء عليها، مما يجعله مساحة لصانعي الأفلام العرب والفنيين وهواة هذه الأفلام، للالتقاء والنقاش والتعاون المحتمل في المستقبل». مهمّات جسيمة بالنسبة لمهرجان واحد. مديرته ميريام ساسين قالت إنّ «أحد الأهداف الرئيسة للمهرجان تشجيع الإنتاج المحلي لهذا النوع من الأفلام، وبالتالي يعلّق أهمية كبيرة على الأنشطة المصاحبة للعروض».
الافتتاح بـ «رجل الجيش السويسري» (اليوم ـ س:20:00) وهو باكورة الـ «دانيالز» (دان كوان ودانيال شينرت) في الروائي الطويل، بعد مسلسلات تلفزيونية وكليبات. كوميديا وجودية ورحلة غرائبية بين رجل يائس وجثّة. «هانك» (باول دانو) على وشك شنق نفسه في جزيرة باسفيكية لا نعرف كيف رسى على أرضها. في مصادفة قدرية، يرمي الشاطئ جثّة «ماني» (دانيال رادكليف)، فيعدل «هانك» عن قرار الانتحار. هذا الـ «ماني» متعدّد المواهب والاستخدامات رغم موته. هو مطلق غازات من الطراز الرفيع (نعم، قسم كامل من الشريط يدور حول ذلك شكلاً وفلسفةً)، كما أنّه بوصلة اتجاهات وخبير كاراتيه وخزّان للماء العذب. مهلاً، إنّه يتحدّث أيضاً عن الحب والجنس والروائح بطبيعة الحال. المطاف السريالي يوفّر مجموعة من المشاهد المدهشة. توليفة فريدة بين واقع Cast Away لروبرت زيميكس، وفانتازيا Eternal Sunshine of the Spotless Mind لميشال غوندري، وكوميديا «عطلة الأسبوع عند آل بيرني» (1989) لتيد كوتشيف، للخروج بسينما لا تشبه سوى نفسها. عربياً، نعود إلى الشريط الثوري البديع «جنّة الشياطين» لأسامة فوزي. محمود حميدة يلعب الجثّة «طبل» في أحد أجمل أدواره. «رجل الجيش السويسري» فاتح شهية موفق من «مسكون». يصل مدججاً بجائزة أفضل إخراج من «هرجان ساندانس» الأخير، مع أداء لامع لدانو ورادكليف الذي نجح في دفن «هاري بوتر» إلى الأبد. «باسكن» (2015 ــ 15/9 ــ س: 20:00) باكورة أخرى تصل من تركيا مع صاحبها كان إفرينول. صاحب عدد من أفلام الرعب القصيرة، يطوّر آخرها إلى شريط طويل، محافظاً على العنوان نفسه. مجموعة من رجال الشرطة يجدون أنفسهم في الجحيم، بعد ميول عدوانية مباغتة واجتياز باب ملعون. يقاتلون كل ما يمكن أن يخطر في بال محبّ لأفلام الرعب، من أكلة لحوم بشر ومسوخ وأشباح ووحوش سياط وسلاسل، مع غالونات من الدم والقيح والسوائل المقرفة. جهد هائل لخلق كابوس آت من عدد كبير من مرجعيات النوع: كوبولا، وكليف باركر، وكوفن جو، ونيل مارشال، وويس كرافن وألكساندر أجا وحتى نيكولاس فندنغ ريفن، لأنّه صنع جحيماً أنيقاً، حالماً ومفعماً بالألوان. مع ذلك، يدخل «باسكن» في الرتابة. يبدأ في الدوران حول نفسه، مع شخصيات أحادية الجانب. يبدو أنّ الخيار الأصلي القصير لم يكن سيئاً على الإطلاق.
بعد أفلام قصيرة عدة، تقدّم اليونانية لبنانية الأصل جويس نشواتي Blind Sun «الشمس العمياء» (2015 ــ 15/9 ـ س: 22:30) في منتجع يوناني، تضرب شمس الصيف بقوّة. موجة الحر تسبّب حرائق الغابات، ونقصاً في الماء، وزيادةً في معدّلات العنف. «أشرف» (زياد بكري) مهاجر يحرس فيلا أثناء غياب صاحبها. يجد نفسه وسط دوامة البحث عن أجوبة ومحاولات النجاة. نشواتي تنجح في صنع فيلم غموض وتشويق في وضح النهار، مستفيدةً من طبيعة الجبال والمرتفعات الصخرية ومياه المتوسط. تصوّر الحرائق التي تلوّن السماء بألسنة اللهب. تلعب على ثنائيات النار والماء، المهاجر والهوية، الضوء والظلال.
في العروض الأخرى، لدينا الشريط المحكم «تحت الظلال» (17/9 ــ س:20:30) للإيراني باباك أنفاري في أول أفلامه الروائية الطويلة. نحن في طهران 1988. الحرب مع العراق تضع أوزارها. عائلة تمرّ بأهوال ذلك. يسافر الأب، مخلّفاً أمّاً وبنتاً وراء ظهره. يسقط صاروخ عراقي على البيت، جالباً معه شيئاً مخيفاً يستحوذ على المكان وأهله. «تحت الظلال» جنر تقليدي، إلا أنّ توليفه مع السياسة والحرب والبيئة الإيرانية يخلق منه الاختلاف والفرادة. الرعب الإيراني محل تقدير منذ أول مصّاصة دماء إيرانية «فتاة تسير وحيدةً ليلاً» (2014) للإيرانية الأميركية آنا ليلي أميربور. في الرعب البيولوجي، يأتي «تطور» (2015 ــ 16/9 ــ س:22:30) للفرنسية لوسيل هادزيهاليلوفيتش. يمارس الخوف في جزيرة تقتصر على النساء والفتيان. من وحي «جزيرة د. مورو»، يخضع الفتيان لعلاجات طبية غامضة، وتبنى كوابيس حول الحمل والولادة. الوثائقي «مصمّمو المخلوق – مجموعة فرانكشتاين» (2015 ــ 17/9 ـ س:16:00) للمخرجين الفرنسيين ألكسندر بونسيه وجيل بونسيه، يستعرض تاريخ الكائنات والوحوش في الأفلام، من خلال مقابلات مع أهم مصممي هذه الكائنات، ومشاهد من الكلاسيكيات. في «رامان راغاف 2.0» (16/9 ــ س: 20:00) للهندي أنوراغ كاشياب، نلاحق قصة في مومباي عن قاتل متسلسل متأثر بآخر من ستينات القرن الفائت. من الكلاسيكيات، يختار المهرجان «هالوين» (١٩٧٨ ـ 17/9 ــ س: 22:30) لجون كاربنتر. الختام (18/9 ـ س:19:00) بعرض لمجموعة أفلام رعب وخيال علمي وفانتازيا قصيرة لطلاب ومخرجين من العالم العربي، يليه Cine-Concert، كناية عن عرض لستة أفلام قصيرة صامتة للإسباني الرائد سيغوندو دي شومون، ترافقه موسيقى لفرقة The Bunny Tylers المؤلفة من الثنائي شربل الهبر وفادي طبال.