لم نكن نعرف ما الذي ينتظرنا تلك الأمسية الهادئة من صيف بيروت. «بطاقة إلى أتلانتس»: عرض أدائي للثنائي لينا عيسى وميّار ألكْسان «عن علاقة الانسان بالبحر». الدخول إلى «مسبح عجرم للسيدات» الذي «كُتب» العرض خصيصاً له، يعدّ بحد ذاته «استباحة». «عجرم» الجسد الممنوع، سيصبح مع لينا وميّار ورفاقهما، مذبحاً (بالمعنى الاغريقي القديم) يحتضن احتفالاً جنائزياً بالانسانيّة المستباحة. «عجرم» الفردوس الانثوي المحصّن ضدّ العدوانيّة الذكورية، بات فضاء مجازيّاً للأرواح الهائمة المعذّبة، لغرقى هاربين من الموت إلى موت أقسى، في صمت الليل الطويل. غرقى يروون حكايتهم بتقشّف، وصدق، وبساطة، بعيداً من أي اصطناع جمالي، أو مشاعر مفتعلة، أو احتواء أيديولوجي. «عجرم» المتاح لنا، لبرهة مسرحيّة، مسبح مهجور ينتظر (مثلنا) مصيره تحت رحمة المستثمرين، في مدينة ابتلعتها الكواسر. ونحن الليلة، هنا، في مسرح الهواء الطلق، على أطلال السبعينات المطمئنّة، ومستحمّيها الغارقين في اللامبالاة وأوهام الحداثة، عشيّة الانفجار الكبير.

«بطاقة إلى أتلانتس» عمل غير بعيد عن روح المعلم البولوني يرجي غروتوفسكي. خمسون مشاهداً كل ليلة، هم شركاء في الاحتفال المأسوي، وشهود عليه، عبر التجربة الحسيّة المباشرة. ندخل واحداً بعد الآخر الى المكان. تأخذنا السيدة الشابة من يدنا، تغرف من تلّة الملح حفنة تسلّمنا إيّاها، تطلب منا أن نهمس للبحر ذكرى وحيدة يحقّ لك أن نحتفظ بها «بعد الموت». الموت إذاً! نحن هنا لنموت، في مواجهة البحر. بكثير من الاقتصاد في الكلام والبطء في الحركة، ترشدنا الراوية الكاهنة المؤدية إلى ذواتنا في مواجهة الغروب الرومنسي الذي يسبق «الكابوس». هكذا سنعيش فاجعة المهاجرين في قوارب الموت. إنّه الفن المتقشّف، العاري، الفقير، يفسح المجال للأحاسيس والتخيلات والانفعالات والمشاعر. كما في «مهابهاراتا» بيتر بروك، يتمرّغ المؤديان في عناصر الطبيعة: بحر بيروت، خشخشة الموج، تلك النسمة الخفيفة ورائحة الملح. الصمت المسكون بموسيقى تأمّلية تنذر بالمأساة. النقاء والتكثيف الدرامي والسردي. ضوء النهار المنتهي، ثم تلك الظلمة الخانقة التي تلفّنا، تخترقها اضاءة خافتة وبروجكتوران أو ثلاثة. أضغاث الحكاية التي ننصت إليها، ونحن في مواجهة الأفق، داخل أصداف ترجّع صوت البحر، قبل أن يتلقفنا الممثلان بتداعياتهما.
هذه التجربة النادرة، الحقيقية والصادقة، تُقحم المشاهد في دوّامة القسوة المغلّفة بشاعريّة شفيفة. لا بد من الاشارة الى السينوغرافيا، والاستعمال المتقن للجسد وتقنيات السرد، وتوظيف الفضاء والعناصر الطبيعية والأكسسوارات. لا يمكن أن ننسى مشهد ميّار معلّقاً إلى الجدران الكلسيّة البيضاء، أو لينا إذ تتركنا نستمع إلى صوتها المسجّل، وتنزل الى الماء لتعوم، تختفي في البحر أمامنا ثم تعود بعد هبوط الظلام لتواصل الحكاية… لا يمكن أن ننسى الأكواريوم المضاء الذي «تغرق» فيه الممثلة، ثم زميلها، بعد تَمثّل الفاجعة، والعناق اليائس على شفا البحر، وحولهما المشاهدون جالسون في اطارات الكاتوشوك التي تستعمل للنجاة. لن ننسى قناديل البحر العملاقة التي تطوف حولنا، نحن الغرقى في قعر البحر. إنّه سرّ من أسرار المسرح. وحين نهبط الصخور إلى الزورق الذي يأخذنا ليلاً إلى عرض البحر، ويتوقّف المحرّك، نكون قد تماهينا مع المأساة. على طريق المغادرة، نمرّ بتلّة الملح وقد غزتها القوارب الورقيّة. ما تبقّى من الحكاية…


Eyes without a face from Lina Issa on Vimeo.