ثلاثة أطفال وسيدتان مسنّتان في صالة لا يشون بأننا في سينما رغم برودتها وعتمتها! هؤلاء هم جمهور فيلم «ماكس وعنتر» (تأليف وإخراج عماد الجندلي الرفاعي ــ إنتاج Falcon Films) بعد حوالى أسبوع من طرحه في الصالات اللبنانية. المشهد يفتقر عموماً إلى أي إشارة سينمائية. كأننا انتقلنا من بيروت إلى الشام في زيارة لصالة «الأهرام» أو «الفردوس» أيّام التسعينيات، بعد أن تتسلل إلى الصالة حفنة من الطلّاب الفارّين خارج أسوار مدرستهم ومناهجها المحنّطة، ليقتنصوا مشهد قبلة لإغراء وأديب قدورة مثلاً. وحده صوت بائع البسكويت الذي كان يجوب تلك الصالات ويبيع جمهورها، رغماً عنهم غاب عن هذه الصالة، فعوّضت عنه همهمات الأطفال الثلاثة وصوت «قرمشة» البوشار لتكتمل حالة الملل والتوتر. الأجواء العامة المشحونة بطاقة سلبية لم تأت من فراغ، بل ولّدتها قصة الفيلم. وغالباً، فإن حضور فيلم جيد ولو لشخص بمفرده في صالة رديئة لن يترك الانطباع ذاته. على أي حال، نحن أمام قصة لا تصلح أكثر من أن تكون دعاية لـ«جمعيّة الرفق بالحيوان» مثلاً أو لـ«زبدة لورباك» التي عوّدنا عليها الهولنديون، الذين يتباهون بكيفية معاملتهم للبقر حتى يحصدوا زبدة ممتازة. أو أنها في أفضل الأحوال، تستحق أن تكون شريطاً دعائياً طرقياً يشدّ المارين للحظات قبل أن ينصرفوا عنه.
إقحام ملف النفايات وأزمات لبنان بطريقة هزلية

السيناريو المربك يستعير من آلاف الأفلام البوليسية «كليشيهات» جاهزة، ويقحمها بظهر لبنان وأزمة النفايات بطريقة معاصرة ورشاقة مفبركة.
نحن أمام رجل أعمال نزيه (مجدي مشموشي) يبذل قصارى جهده لتأسيس معمل تكرير للنفايات، ووضع بلاده على الطريق الصحيح للتخلّص من الأزمة، في حين تواجهه مافيات المال والسياسة لقطع الطريق عليه. وبينما يحاول أحد البلطجية أذية ابنته (سينتيا خليفة)، سيفلت «عنتر» كلب «ماكس» (إيلي متري) ويرديه عن دراجته النارية لتخلق قصة حب سريعة بين الصبيّة المدللة، وماكس اللبناني الذي خسر أمواله في البورصة بلمح البصر، وعاد من «وول ستريت» إلى بيت تركه له أهله في بيروت، قبل أن يحصل على وظيفة «موظف أمن». يدهشنا كلبه «المربى ع الغالي» كيف يدفع فاتورة الكهرباء، ويشتري الخضار، وينتبه لأن تكون منتقاة جيداً، من دون أن نفهم ما هو سبب إقحام دومينيك حوراني إحدى ساكنات البناء الذي كان يحرسه ماكس، ويزوره الصحافيون فجأة لمعرفة بعض المعلومات الخاصة عن المغنية المشهورة، وكيف يتمكّن الكلب «عنتر» من إخافة الصحافيين ومهاجمتهم كي يهربوا بعيداً. وما لزوم هذا كلّه في بنية الفيلم باستثناء لحظات ستحيلنا إلى تجميعات كوميدية باهتة تراهن على استقطاب الاهتمام بفعل الكلب الذي يؤدي بطولة الفيلم. يستحم مع صاحبه وينام بجانبه ويملك المقدرات الخارقة لتلبية احتياجاته، عدا عن أنه شجاع إلى درجة يتخيل المشاهد أنه «صمام الأمان الأخير» في لبنان. ننتقل بعد ذلك إلى «الكليشيهات» البوليسية، وخطف رجل الأعمال الذي يجرّب حلّ مشكلة النفايات على يد عصابة موسومة بالغباء كنوع من البلاهة الدرامية في تقديم الأشرار على أنهم كركترات تطفح غباء!
الطريقة المتصابية في الحلول الدرامية توغل أكثر في التسخيف والسذاجة والافتعال عندما نرى مثلاً محاولة طرد أحد أفراد العصابة المكلّف بمراقبة فيلا رجل الأعمال المخطوف، بهدف تهريب ولديه من خلال اجتماع باصين يشجعان ناديين لبنانيين يبدأ جمهورهما بتراشق الشتائم، قبل أن يتبادلا الضرب بالبندورة والبيض التي وجهت بشكل مقصود إلى المسؤول عن مراقبة الفيلا حتى يفلت ولدا رجل الأعمال من مراقبته.
تستمر الحال على ما هي عليه، من دون أن نشاهد صدمة كهربائية واحدة يصحو من خلالها السيناريو المرهق، أو يكف عن بلاهته، أو ينقذ الفيلم من تصنيفه كفيلم «زينة» حتى تأتي النهاية بمزيج من مصرية قديمة وأخرى هندية كلاسيكية، عندما يتسلل ماكس وعنتر والبقية ليخلصوا رجل الأعمال. وحتى يكتمل مشوار الهزل، سيقع الجميع رهن الاعتقال، ما عدا ابن رجل الأعمال الذي يجرب تخليصهم، لكن رصاصة واضحة تقابله، فيفلت في هذه اللحظة بطلنا الكلب ليفتدي الصغير قبل أن نشاهد أطباء يخضعونه لعمل جراحي ينقذ حياته!
ليس هذا المطب المحرج الأوّل الذي تقع فيه الشركة المنتجة، فقد سبق لها أن عانقت الفشل على يد المخرج السوري سيف الشيخ نجيب في فيلم Welcome To Lebanon. ربما صارت السينما التجارية بحاجة إلى إعادة تعريف، فالفيلم الخفيف أو الكوميدي أو اللايت ليس بالضرورة فيلماً رديئاً... والأخير هو أكثر مصطلح يليق بعدد كبير من الأفلام التجارية اللبنانية!

*«ماكس وعنتر»: «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «سينما سيتي» (01/995195)