هو موسم الحصاد الفني وبداية تجهيز القطاف للتخمير، فالسنة الفنية التشكيلية غالباً ما تُقطف حصيلتها مع العِنَب حيث «أواخر الصيف... آن الكرم يعتصر». ثلاثة أيام من أواخر شهر أيلول (سبتمبر) هذا العام، خُصصت لمهرجان «بيروت آرت فير» أو «معرض بيروت للفن» الذي اختتم أخيراً في «بيال» (الأخبار 15/9/2016). ظلّت الحشود تتدفق حتى يوم الختام (18 أيلول) متناسية اقتراب موعد الإقفال وإعلان انتهاء المعرض. في المحصلة، استقطب الحدث عدداً كبيراً من مراكز الفنون والصالات العربية والدولية، إلى جانب الصالات اللبنانية العريقة، أي بمشاركة 45 صالة و20 بلداً، وأكثر من 300 فنان من 30 جنسية و 1500 عمل فني. فهُنا محجّة لاعبي بورصة الفن، كما الفنانين الملتزمين بعقود مع الغاليريهات، وبشكل أساسي هنا قِبلةُ مقتني اللوحات. المهرجان التشكيلي- البصري في نسخته السابعة، هو سوقهم الأمثل قبل أن تدق ساعة المزادات القريبة في «كريستيز» و«سوثبيز».

بين قسم «ريفيلينغ» للكشف عن المواهب الصاعدة وقسم التصوير الفوتوغرافي، زنّرت صالات العرض المكان، لتصنع حلقةً تمتدّ من المدخل وإليه، حاضنة في القلب قسم «لبنان مودرن» الخاص بالفنانات الرائدات الحداثويات اللواتي كرّمهن المعرض. يجول الزائر عبر تاريخ من الفن التشكيلي خطّته بالريشة فنانات وباحثات مبدعات، رائدات، مثل سيتا مانوكيان، وإتيل عدنان، وسلوى روضة شقير، وإيفيت أشقر، وناديا صيقلي وهيلين الخال... ثم يرتاح في قسم فريد لـ «متحف الفن الحديث والمعاصر» خصِّص للكتب الفنية مع مساحة للأطفال يلونون ويرسمون قرب منحوتات يوسف بصبوص، وروضة معزَّز، يرشدهم الثنائي الحيوي غابرييل شاوب وسيزار نمّور. يستأنف الزائر السير بين أجنحة الصالات المتنوعة من المغرب إلى الصين مروراً بتركيا ومصر وبيلاروسيا وفرنسا، متجهاً إلى قسم المواهب الصاعدة لقراءة أولية لمستقبل الساحة الفنية المعاصرة. أربعة تقسيمات بارزة واضحة ومريحة للعارضين والمتذوقين في آن.

قدّمت غادة الزغبي «الوجبة الأخيرة» عن زنزانة في سجن رومية

«هذه السنة، كل شيء كان مختلفاً. التنظيم، التقسيمات الجديدة، والحضور من مقتنين وجامعي لوحات مروراً بالتنوع الفني وصولاً إلى الزوار كَمّا و نوعاً» يعلّق موسى هاشم مدير صالة «مارك هاشم» في بيروت، التي قدمت للناس هذا العام مجموعة غنية من روائع هيلين الخال، مروراً بشوقي شمعون، وألفرد بصبوص ورؤوف الرفاعي، وبسام كيريلوس، وصولاً إلى الفنانَين الشابَّين المتألقَين صموئيل شربل عون وعبد القادري. القادري المعروف بمقاربته للمواضيع الراهنة، يتحدث لـ «الأخبار» عن مشاركته في المعرض التي اعتبرها الأقرب الى قلبه ووجدانه، فعمله التجهيزي (بيع خلال المعرض) يعالج قضية حساسة هي بيع الأرض، والإرث، والبيوت القديمة: «استخدمتُ صوراً شخصيةً لأبي وعمي. هي ليست فقط قصة بيتنا، بيت العائلة، بل قصة أغلب بيوت الناس، خصوصاً في بيروت. أسميتها «قصة شجرة الكاوتشوك» لأن الشجرة وحدها بقيت في مكانها. الشجر وفي يبقى ليخبر عن تاريخ الأماكن المنسية، والإرث الضائع، والكنوز التراثية التي تحميها شجرات الكاوتشوك الكبيرة وتظللها من عيون الهدم القاتل أو المشترين الجدد، لتبقى لنا ذاكرة».
هي أيضاً «ذاكرة» أخرى صاغتها سيمون فتال بأصابعها التي دعكت الطين، ليصبح قطعاً فنية تستقبل الزوار عند المدخل، حيث جناح صالة «تانيت»، فيخرّون طوعاً لتأدية تحية يابانية الشكل، مقتربين بجذب شبه مغناطيسي من البطلة التاريخية، «ذات الهمة»، المخبوزة من طين الذاكرة الفلسطينية، والملونة بالعاج والأخضر البحري، فيتعرفون مجدداً ـ عبرها - إلى ذاكرتهم الأصدق، أو عبر أعمال متعددة الوسائط صاغها حليم جرداق بين حفر وتلوين وتلصيق في جناح صالة «جانين ربيز»، أو عبر أعمال حسين ماضي المشرعة للاستقبال الودود في جناح «عايدة شرفان».
بين ذاكرة ونسيان، بحث عن الذات أو «ذات الهمة»، بين الهوية والوطن، تتنوع القضايا التي عالجها الفنانون، مما خلق مزيجاً مسكراً لعقل المتلقّي، وجاء تنوّع التقنيات المستخدمة ليزيد العين والقلب طرباً، من مقاربة أسامة بعلبكي الانطباعية المدهشة لمشهد غروب شمسٍ ضخمٍ (غير معنون يفوق الثلاثة أمتار عرضاً) في جناح «أجيال»، مروراً بلوحات آني كوركودجيان وسمعان خوام في جناح «البارح» وصولاً إلى لوحة غادة الزغبي «الوجبة الأخيرة» الواقعية تقنياً ومضموناً. العمل الأخير كناية عن مشهد من زنزانة داخل سجن رومية حيث يغيب المسجون لكن نرى أغراضه. هنا تستكمل الزغبي موضوع معرضها الأخير في «آرت سبايس حمرا» الذي حمل عنوان «أنظمة الشخصي» عبر الخزانة المفتوحة. تقول لـ «الأخبار»: «أستكمل اليوم بحثي التشكيلي- البصري والمفهومي عبر العناصر نفسها أي الخزانة وغيرها مما هو داخل السجن لأعالج موضوع «الشخصي والحميم» خاصة في السجن حيث لا يملك المسجون شيئاً من نفسه وخصوصيته. أعالج موضوع الذاكرة والذكرى لدى المحكوم، وموضوع السلطة بما أن العقاب مرتبط بشكل مباشر بالسلطة. ثم أسأل ما هي المساحة الشخصية والحميمة التي تبقى للمحكوم السجين حتى يبقى له بعض من ذاته». أنجزت الزغبي لوحتها أُنجِزت خلال الأسابيع الأخيرة قبل المعرض، وكذلك فاطمة مرتضى التي تحيك أنسجة لوحاتها من خيط وصوف ولون على قماش أو ورق. لكن فاطمة لم تكتفِ بالمساحة المسطحة، بل انتشلت شخصياتها، الممزوجة بين الأسطورة والواقع، وصنعت دميتها من النسيج نفسه وأحضرتها إلى المعرض. ذخيرة جوهرية إلى جانب دراستها الفنية تتخذها فاطمة للبنيان المفهومي للوحة وهي دراستها في حقل الفلسفة؛ فثيمة مثل «العنزة الملعونة» المشاغبة والمثيرة للمشاكل والقيادية هي «تتمة لمشروعي الذي بدأ بالجنسانية وجسد المرأة الملعون في العالم، فأردت أن أتوسع في هذا الإطار وأبحث أكثر في الأسطورة وفي الميثولوجيا القديمة والأديان. وجدت أنها مرتبطة ارتباطاً متيناً بالمرأة والإغواء والشيطنة» وفق ما تقول لنا.
عن كيفية تنسيق قسم «ريفيلينغ» الكاشف للمواهب، تقول منسقة المعارض ليندا ابو خاطر التي قدمت أعمال فاطمة مرتضى عبر صالة «فِنان»: «لقد استقبلت لجنة الاختيار في «بيروت آرت فير» طلبات المشاركة من الصالات، وكان على كل منها تقديم فنان واحد تعتبره النجم الواعد. قدمت كل صالة أفضل من لديها، وكان لي شرف كبير أن أنسق وأقدم أعمال فاطمة التي اختيرت، فهي تستحق ذلك وهي فنانة شابة واعدة تعمل بتقنيات جديدة ومتينة».
انكباب الجيل الجديد المجتهد من الفنانين مثل فاطمة مرتضى، وآني كوركودجيان، وغادة الزغبي، وعبد القادري على العمل الجاد الدؤوب هو في الواقع ما فتح أفقاً لدى اللجنة المؤسسة للمعرض، لا العكس. في حديث مع «الأخبار»، يؤكد باسكال اوديل (المدير الفني لـ بيروت آرت فير» ومنسق معرض «بيروت مودرن»): «لقد كانت خطوة انشاء قسم المواهب الواعدة فعلاً من أنجح الخطوات هذا العام. كان هناك تبادل مدهش بين الفنانين وأعمالهم المعاصرة من جهة، وبين الجمهور المتذوق والمقتنين من جهة ثانية. خُلق نقاشٌ هام وحركة مثمرة أحيت المعرض وهذا بالضبط ما أردناه».
النقاط الحمر التي نراها قرب اللوحات كعلامة على شرائها، كانت كثيرة. وإعلان الاتفاقات ورسم مواعيد لافتتاح معارض جديدة مع الفنانين المشاركين، كانا إحدى الثمار الطيبة. قطاف أولي مع كرمة الفن التشكيلي اللبناني ننتظر تذوق عصارته عاجلاً... ومعتقه لاحقاً.