إلى القائمين على موقع «ليبانون فايلز» الكرام،

تحية طيبة وبعد،
أنا من المتابعين الدائمين لموقعكم منذ عدّة سنوات. أتفقّده كلّ يوم لأقرأ الأخبار السياسية والفنية والاجتماعية، وأقدّر على نحو خاص الفقرة المسمّاة «متل ما هيّ» التي ترصدون فيها المخالفات الكثيرة الجارية في شوارعنا وعلى طرقاتنا: هذه المخالفات تمثّل بالفعل أبشع أنواع الفحش، إذ أنّها تعرّض حياتنا وحياة أولادنا إلى الخطر في كلّ لحظة.
لذا صُدمتُ أشدّ صدمة عندما قرأت على موقعكم، في تاريخ الاثنين ١٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٦، وفي فقرة «متل ما هيّ» الآنفة الذكر، عنواناً يقول: «بالصورة: الفحش يختتم موسمه على الشواطئ اللبنانية... فتاتان تتبادلان القُبل». وبالرغم من أنّ هذا العنوان قد استفّزني فوراً، كونه يربط «الفحش» بقبلة بين فتاتين، إلا أنني تخيّلت لأوّل وهلة بأننّي سأرى صورةً فاحشةً فعلاً، ربما تبرّر مثل هذا العنوان. لكنّ الصورة، وهما صورتَان، تُظهران من بعيد جسدين أو ربما جسداً واحداً في مياه البحر قريباً من الصخور، ويبدو الجسدان، إذا دقّقنا النظر، بأنهما يتعانقان. ومن الصعب جداً تبيان ما إذا كان هذان الشخصان فتاتين أم شاباً وفتاة. فهل تستأهل هذه الصورة هذا العنوان؟! بالتأكيد لا، فأنتم اخترتم عنواناً إثارياً لصورة عادية، شبه «بايخة»، لاستدراج القارئ تماماً كما تفعل أسوأ المواقع والصحف الصفراء المسمّاة بالتابلويد. وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على عدم احترام موقعكم للقارئ.
أما فيما يتعلّق بربط الفحش بقبلة في البحر بين فتاتين، فأنا أدرك تماماً أننا في بلد لا تزال المثلية الجنسية فيه مخالفة للقانون وأنّ مثل هكذا علاقات، إن حصلت علناً، قد تثير حفيظة كثيرين. لكنني أدعوكم وأدعونا جميعاً إلى التفكير في كون كثير من الدول التي يعتبرها اللبنانيون مثالاً في الحضارة والحرية والديمقراطية، قد شرّعت قوانين تجيز الزواج بين المثليين، كما أنّ ثمّة دولاً أخرى ربما ينظر إليها اللبنانيون بشيء من الفوقية، قد شرّعت أيضاً هذا الزواج أو شرّعت عقد شراكة مدنياً بين المثليين، وإليكم لائحة بهذه الدول:
الزواج بين المثليين شرعي في الدول التالية:
هولندا، نيوزلندا، النروج، البرتغال، إسبانيا، جنوب أفريقيا، السويد، انكلترا، فرنسا، أوروغوي، إيرلندا، الأرجنتين، بلجيكا، البرازيل، كندا، كولومبيا، الدنمارك، فنلندا، إيسلندا، المكسيك، الولايات المتحدة الأميركية.
عقد الشراكة المدني بين المثليين شرعي في الدول التالية:
اليابان، استراليا، النمسا، الشيلي، كرواتيا، قبرص، اكوادور، استونيا، المانيا، اليونان، هنغاريا، ايطاليا، تايوان، سويسرا، مالطا، سلوفينيا، جبل طارق.
علينا إذاً أن نسأل: هل كلّ هذه الدول التي نشهد لها جميعاً بتقدّمها في ميادين كثيرة، قد شرّعت الفحش؟! وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نهرول نحن اللبنانيين للهجرة إليها، ولماذا نُرسل أولادنا وفلذات أكبادنا للتعلّم فيها، ولماذا نذهب لتمضية العطل الصيفية فيها؟ ألا نخاف، نحن المعروفين بأخلاقنا الطاهرة، من أن يطلع علينا منظر فحش على شواطئ هذه البلاد؟ إن كنّا فعلاً نعتقد بأنّ هذه الدول قد أباحت الفحش، علينا إذن أن نكفّ عن الإشادة بها وبمنتوجاتها التي نستعمل كل يوم وبموسيقاها التي نسمع وبأفلامها التي نحضر وبعلمها الذي نقرأ، بل ربما علينا أن نكفّ عن التشدّق بالنطق بلغتها؟ وإذا ما فعلنا كلّ ذلك، فما الذي سيميّزنا من بعد عن بلدان وأنظمة وإيديولوجيات نتبجّح دائماً بأننا أرقى منها؟
أما إذا أردنا أن نتحدّث عما هو فعلاً فحش في لبنان، فمن العيب أن نذكر هذه القبلة أو هذا العناق في البحر. الفحش في لبنان لائحة لا تنتهي من الاهتراء الأخلاقي على كلّ المستويات وفي كلّ المجالات: من فحش الناس الذين يرفضون أن يقفوا في أي صفّ في أي مكان، إلى فحش قيادة السيارات وعدم احترام أي قانون، إلى فحش المخدرات والكحول المتفشية بين أولادنا المراهقين التي تؤذي أكثر بكثير من القبلة، إلى شبكات الدعارة التي تستغلّ الأطفال والنساء يومياً في شوارعنا وفنادقنا، إلى فحش العنف الذكوري الذي يقتل النساء والفتيات بشكل مستمرّ ومقزِّز، إلى فحش استغلال قطعان الرقيق الجديد المسمّى العاملات المنزليات... فهل هذا هو المجتمع اللبناني الأخلاقي، الطاهر، الذي يريد محاسبة قبلة بين فتاتين في عرض البحر؟
ابحثوا عن الفحش الحقيقيّ، واتركوا الناس يحبون بعضهم البعض، فالحبّ لا يؤذي أحداً.
أطالبكم بإزالة هذه الصورة وهذا المقال من موقعكم، كما أطالبكم بشيء من الحسّ المهني في نشركم لمثل هذه «الأخبار».
مع الشكر.
* أكاديمية لبنانية