مجدداً، ضاقت قاعة «إيروين» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» بزوّارها الذين فاق عددهم الـ 450 شخصاً، شكلوا موزاييك لبنانياً حقيقياً. للسنة الثانية على التوالي، ينجح نادي «المناظرة» في الجامعة في خلق نقاش فكري تلاقحي بين ضيوفه ومع الحاضرين/ات. مناظرة أوّل من أمس، استضافت الأستاذ الجامعي والمتخصص في قضايا الفلسفة والاجتماع والسياسة نديم محسن ومدير مركز «باء» للدراسات والنشر والمتخصص في العلوم الدينية والعرفانية السيد عباس نور الدين، اللذين تناظرا تحت عنوان «الولاء بين الدين والوطن».

قد لا يصل المتناظران الآتيان من خلفيات متناقضة إلى حدّ جامع، لكن تدفّق الأفكار وتداخلها اللذين أشاعا جوّاً من الحماسة في القاعة، وصل إلى حدّ يمكن وصفه بـ «حرب التصفيق». فقد انقسم جمهور «إيروين أوديتوريوم» بين شطرين يؤيد كلّ منهما أحد المنتناظرَيْن، فيما علا التصفيق مع كل طرح جدلي، أو حسم في الإجابة عن إشكالية معيّنة. اختلفت طريقة المناظرة التي لم تكن مباشرة بكل ما للكلمة من معنى. اختلاف شخصيتيّ محسن ونور الدين، لعب دوراً في ضبط إيقاع الندوة. محسن يتقن لعبة الأضواء وجذب الشباب، ويعرف متى يعلي ويخفض صوته، ويخوض في لعبة التشويق في طرح الأسئلة. أما نور الدين، فهادئ ورصين، ويتقن بدوره لعبة المحاججة والمنطق في التعبير عن الدين والوطن وولاية الفقيه.
انطلق صاحب «ولاية الفقيه في العصر الحديث» من جذور تعرّفه إلى الدين، التي بدأت مع الحرب الأهلية في لبنان، ووجد ضالته فيه في خضم مآسي هذه الحرب وتقاتل أطرافها على خلفيات طائفية. وبخلاف الانطباع الذي يؤخذ عادة عن متعمّق في الدين وفي ولاية الفقيه، رأى نور الدين في لبنان البلد الذي نشأ فيه «تعددية خلقت تلاقحاً فكرياً وحضارياً»، كما أنّه في الدين «الحل لجميع المشاكل»، كونه لم يتعارض مرّة مع «القيم الإنسانية والوطنية». نور الدين الذي يرى في الأوطان مفهوماً مطاطاً في الزمان والمكان تبعاً «للمصالح»، أجاب عن إشكالية الندوة مؤكداً أنّ الوطن «منطلق للاحتكاك إيجابي» مع الآخرين، معتبراً أنّ قوّة الدين تمكن في كونه «عنصراً أساسياً لتعبئة الإنسان والوطن والمجتمع». هنا، استشهد نور الدين بتجربة المقاومة التي استطاعت بفضل هذه التعبئة تحرير الأرض، والتعامل مع العملاء وغيرهم بعين غير ثأرية.
في المقابل، طغى على مداخلة محسن النفس الخطابي المتكئ على كون «العقل أساس كل تشريع». صاحب «سياسة الله»، ارتكز في مقاربته لولاية الفقيه على قضية الحاكمية، واسند إليها نصوصاً من الدستور الإيراني ومن أقوال الإمام الخميني وسيّد قطب في مصر، ليدخل من خلالها إلى نقد الصلاحيات المطلقة المتاحة للولي. وصف محسن الولي الفقيه بـ «بابا الشيعة»، على شاكلة بابا روما، ووصل الأمر به إلى تشبيهه بـ «الخليفة الداعشي»، من ناحية سلطته المطلقة وصلاحياته الواسعة. أعاد محسن التأكيد مراراً على اعتبار ولاية الفقيه «امتداداً للإمبراطورية الفارسية»، وأنّها مرتبطة بـ «تاريخ روما الإمبراطوري» أيضاً.
هنا، تدخّل نور الدين ليعيد بوصلة النقاش إلى معاني التشريع والعدالة ومعرفة القانون الصحيح التي تندرج تحت عباءة مفهوم ولاية الفقيه. وسأل عن تجربتيّ الخميني والخامنئي في التطبيق: «هل يوجد اليوم ما يخالف هذه القيم؟». وأضاف: «لو صفع الحاكم عاملاً عنده لعُزل عن الولاية».
وفي ظل معمعة الأفكار التي تنوّعت بين الفلسفة والدين وعلم الاجتماع، حضر موضوع المقاومة. ومع إشادة محسن بالدعم الإيراني المادي والمعنوي للمقاومة، طرح سؤالاً ولّد تصفيقاً حاراً في القاعة: «ماذا لو تضاربت مصالح إيران، ماذا سيحصل بأتباع الولي الفقيه في لبنان؟». وأرفقه بآخر: «هل يحق لإيراني مسيحي أن يكون الولي الفقيه؟». فكانت الإجابة حاسمة من السيّد أن هذا الاقتراح ممكن التطبيق كون هذا المواطن الإيراني رضي بأحكام بلده القانونية ولديه عدالة، إذا فما المانع من توليه هذا المنصب؟!
وفي ردّ على استشهاد محسن بالوثيقة التأسيسية لـ «حزب الله» التي تحدد الولي الفقيه كمرجع أساسي، خرجت بين الحضور عضو شورى الحزب، ريما فخري، التي شاركت في وضع الوثيقة المستحدثة للحزب، لتقول إنّه «من الخطأ ألا تتطوّر تجربة 30 عاماً، خصوصاً في موضوع الوطن. نحن نخضع للدولة اللبنانية كمرجع لأي مواطن».