جواد سليم (1921- 1961) تظافرت في تكوينه وبروزه الفني، الموهبة وقبلها النشأة في عائلة فنيّة (أبوه الرسّام الهاوي وأمّه المهتمة بالمنمنمات وفنّ التطريز)، ومعهما الاطلاع على تجارب الفن العالمي بين فرنسا وايطاليا وانكلترا. عوامل أدت إلى صعوده في حقبة الخمسينيات وسط طليعة من الأسماء الفنيّة العراقية، مثل خالد الرحال، وخليل الورد، وفائق حسن، وشاكر حسن آل سعيد ومحمد غني حكمت.

تفوّق جواد على أخويه نزار ونزيهة، وبدأت مسيرته الثابتة التي تركت لاحقاً بصمة خالدة في تاريخ الفنّ العراقيّ والبلاد ككل، منذ عودته من انكلترا إلى بغداد عام 1949، وتأسيس «جماعة الروّاد» عام 1950 (أوّل جماعة فنيّة عراقيّة)، بالتزامن مع حراك وتطلّع إلى الحداثة في الفنون المختلفة، من الشعر إلى التشكيل، فالمسرح.
وجوده في «الروّاد» ودوره المحوري اللاحق فيها، والتطوّر الذي حصل في تجربته نتيجة التأثّر بالتجارب العالمية، والتتبع لنتاجه من فنّانين دخلوا غمار الفن بعده بسنوات وتأثّروا به، هذه كلّها كانت مقدّمة لما سيتحلّى به سليم من مكانة. بدأ الخط البياني لحضوره يتصاعد منذ المعرض الأوّل لـ «جماعة الروّاد» في دار الفنّان خالد القصاب، ومن ثم تلاه المعرض الأوّل لـ «جماعة بغداد للفنّ الحديث» في متحف الأزياء في الباب الشرقي في بغداد عام 1953، يوم قدّم محاضرة عن «الجمهور والفنّ».
وبين بياني «جماعة بغداد للفنّ الحديث» الأوّل (1951) والثاني (1955)، مسافة من الوعي والتقبّل الاجتماعي، ومعهما فورة إبداعية كان جواد في صلبها. بيان الطلّة الأولى حثّ على «فهم الأساليب الغريبة» و«الوعي بالشخصيّة المحليّة». أما الثاني، فتوجّه إلى «استلهام الجو العراقيّ من دون إغفال الارتباط بالتطوّر الفني في العالم».
في هذا المخاض، تقدّم الفنّان المولود في أنقرة الى واجهة الفعل الفني والثقافي في البلد، بحركية مثّلتها انتقالته الحادّة والجريئة من «الرواد» إلى «جماعة بغداد...»، وانخراطه في التدريس في معهد الفنون في بغداد، ضمن مسار عزّز من شخصيته المحوريّة في المشهد الفني.
عندها، اكتملت ملامح الشخصية الفنيّة لجواد، واستثمر أمرين: توظيف رموز وعلامات من ارث الحضارة الرافدينيّة (العيون مثلاً)، واستيعاب الحياة العراقيّة وتلمّس تحوّلاتها بحساسية عالية (منها حديثه السابق عن التذوّق العام).
حدث التغيير السياسي الذي يتساجل بشأنه كثيرون في العراق اليوم، ويعدّونه مؤسّساً للخراب التالي، ونعني إسقاط الحكم الملكي وقيام الجمهوريّة العراقيّة عام 1958. هنا، وجد جواد نفسه أمام مهمة تاريخيّة، ستضعه مستقبلاً في قلب بغداد وأهلها إلى الأبد.
وبإبعاد الأثر التعبوي للحظة إقرار تشييد «نصب الحريّة»، فإنّ منجز جواد سليم تجاوز نشوة العسكر المنتصرين وفرحتهم بعد سحل العائلة المالكة والتمثيل بجثثها في شوارع بغداد. إنّه تعبير عن روح العراقي الناهض الذي ختم التاريخ على جبينه أن يقاسي إرادات واستبدادات.
ويحدث في شرقنا المنكوب، أن يمثّل فنّان ذكي تجربة وطنه وأحلام شعبه، وينتزع فرصة تجسيدها بمثال فنيّ. جواد الواثق من نفسه كان يعرف ماذا يفعل، ولِمَ ذهب بهذه المغامرة إلى النهاية، متحدّياً حتّى محاولات إرغامه على وضع صورة عبدالكريم قاسم وسط النصب، رافضاً بشدّة تجيير العمل بالكامل لشخص «الزعيم» (1914- 1963)، حتّى بعد المضايقات الصريحة من السفارة العراقية في روما التي أكّدها في ما بعد الفنّان والمعماري رفعة الجادرجي.
حالما ازداد التعب الجسديّ والنفسيّ عليه، مرض الفنّان، وفتكت به الأزمة القلبيّة، ففارق الحياة مطلع 1961، ليشرف الجادرجي ولورنا سليم (زوجته) على افتتاح النصب الذي أكمله جواد، ولم ترفع منه في حياته إلا قطعة واحدة.
صحيح أنّ الجندي الذي توسّط العمل ارتبط صميميّاً بفكرة الثورة/ الحدث، إلا أنّ شعوراً لدى متلقي العمل يتشكّل منذ الإطلال على تفاصيله الممتدّة على مدار 50 متراً بعرض عشرة أمتار، بأنّ جواد أراده أن يكون منطلقاً نحو المستقبل ومتضمناً إيّاه. الفكرة التي يقوم عليها تستعرض تاريخ العراق السياسي والاجتماعي في التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية.
14 قطعة هي مضمون العمل، بين شقين (قبل الثورة وما بعدها)، وفي الوسط الجندي الذي يحطّم القيود والقضبان. في اختيار رقم القطع هذا تعبير عن تاريخ 14 تموز (يوليو) 1958، على اليمين أغلال وقسر على رجال ونساء، والمرأة «الباكية» هنا أنموذج للقهر والعبودية، فيما الطفل عنوان للتطلّع والأمل المقبل، والشهيد والأم وطفلها والسجين صاحب الرأي، توثيق لذوات معذّبة. أمّا الرجلان اللذان يرفعان اللافتات وتمتدّ يد الأوّل منهما إلى المجموعة البشريّة التي سبقتهما في البناء الكليّ، فيلخّصان فعل النزول الجماهيري إلى الشارع، وينبثق الحصان من بين المجموعة الأولى، تجسيداً لهذا الجموح. أما عدم امتلاك صهوته وحوله ثلاثة رجال، فأمر يحمل أكثر من معنى. قطعه الستّ شغلت مساحات مؤدّاها إلى الحريّة حيث الشعلة مرفوعة أعلى الكتف، وعلامات نماء على منحوتات، من مظاهرها: امرأة تحيطها أغصان أشجار وحمامة يبثّ مشهدها السلام، فلاحان يستندان إلى مسحاة، امرأتان تتموضع سعفة قرب إحداهما، ترميزاً لنهري دجلة والفرات، وبينهما طفلة تحمل سلة من حصاد الأرض، إلى الثور الحاضر في أساطير العراق وتحته إنسان «مجرّد» من كلّ شيء كأنّه ابن طبيعة العراق المعروفة التي تتعايش فيها هذه الكائنات مع الخضرة، وإلى يسار هؤلاء جميعاً العامل، عنوان الإنتاج وطاقة البناء.

تملأه التشققات وقاعدته تختنق بالأتربة وبقايا الملصقات السياسيّة والدينية

بعد انقلاب «البعث» واغتيال عبدالكريم قاسم عام 1961، طغى البعد السياسي على التعامل مع النصب، ولم تتقبّل السلطة وجوده، إلا أنّها لم تستطع التخلّص منه، مثلما فعلت مع نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس، إلى درجة رشقه بالرصاص لمرّتين في عامي 1963 و1968.
في سياق التبدلات السياسية السريعة وصور الدم التي ترهب الشارع وتحرّكه أيضاً، واصل زملاء جواد ومن أعقبه، الاشتغال على تجاربهم والدفاع عن وجودهم، في مرحلة دخلت فيها السياسة بقوّة على الحياة الاجتماعية والاقتصاد والثقافة والفن، لنطالع في هذا الصدد جزءاً من المتن الثوري الراديكالي لبيان «نحو الرؤية الجديدة» عام 1969: «نرفض الهزيمة العسكريّة والفنيّة لأمتنا» و«الثورة المتخطية هي الفنّ المستقبلي».
رومانسية التنظير في هذا البيان، هي التي أعطت الإنتاج الفنيّ دفقاً مهماً. الإدراك مقتلة للفعل، بحسب نيتشه، ويحتاج أي فنّان حالم أن يصدّق وهمه ببلده، إذ استثمر فنّانو هذا العقد (1970-1980) فرصة توافر ظروف للعطاء والاستمرار، بمعزل عن التفكير في الكارثة المنتظرة، يوم انقض النظام وحزبه على الحياة العراقيّة بالكامل.
ومنذ حرب الثماني سنوات، وما تلاها في حرب «الخليج الثانية»، مرّت جنائز الشهداء في حروب العراق المتعدّدة من تحت مأثرة جواد الفنيّة. كان العمل شاهداً على بدايات اندحار المجتمع بعد 1991 والحصار المفروض، ومرّت من هناك دبابات ومجنزرات أميركيّة ثبّتت بعبورها اجتياحها الكامل للبلاد في نيسان (أبريل) 2003، ونصب إرهابيون سيّاراتهم الملغمة وعبواتهم في مساحته الممتدّة في الباب الشرقي، مثلما استعرضت فصائل وميليشيات بسلاحها في محيط النصب أو على الأطراف منه، للإعلان عن زمن اللادولة. كما ضيّق متحزّبون ولصوص سياسة بلافتاتهم الانتخابيّة على جدران النصب، فملأوها بصورهم وتسلسلاتهم في ماراثون الانتخابات.
وكانت مواكب المسؤولين «الديمقراطيّين» تطلق الرصاص وهي في ساحة التحرير لتفرّغ الطريق من سيارات الناس والمارّة، وحصاد المسدسات والبنادق يتعالى من فوق النصب، بل إنّ شظايا التفجيرات التي ضربت المكان لاحت بعضها جوانب منه.
تحته أو على مقربة منه في «طريق محمّد القاسم السريع»، ألقيت جثث وأزهقت أرواح، يوم تقاتل السنة والشيعة في الحرب الأهليّة عام 2006، وبقي الرائد الفنيّ صامتاً بأمثولته الشاخصة في ساحة التحرير، حتّى حلّ تاريخ 25 شباط (فبراير) 2011. قبلها في الليل اجتمع قادة الكتل السياسيّة بسنتهم وشيعتهم وكردهم، لشيطنة متظاهري تلك الجمعة التي سجّلت أوّل احتجاج نقي ومشرّف من تاريخ عراق ما بعد 2003.
مضت التظاهرات واجتمع تحت «نصب الحرية»، محتجّون عراقيون لم يعرف الواحد منهم نسب الآخر أو طائفته. هتفوا وكانوا حالمين فعلاً، لكنّ صوتهم هزّ الطبقة السياسية وفاجأها وهي تواجههم بحواجز الكونكريت والرصاص المطاطي والحيّ والطيران المنخفض للمروحيات.
انتصر مزار «الحريّة» في لقطة نادرة لهؤلاء الأحرار الملاحقين والمتهمين بالخيانة والتخابر مع دول أجنبيّة، وظلّ طوافهم- حتّى 2016- يتجدّد في مدار الساحة التي كثيراً ما طوّقت بالسلاح ورجال الأمن وجحافل قوات مكافحة الشغب.
قبل أشهر، وفي ذكرى الثورة نفسها (14 تموز)، نظّمت الحكومة استعراضاً عسكريّاً هناك، فلفتت التشقّقات المتزايدة في «نصب الحريّة» نظر رئيس الوزراء حيدر العبادي ووجّه بإصلاحها فوراً، نحمده، فقد حضر العمل التاريخي في بيان رسمي، وبقيت التشقّقات إلى الآن من دون معالجة أمانة بغداد لها!
روح جواد خائفة، ليس على النصب فقط، الذي توشك بعض أحجاره البيض (بالتحديد في بدايته ونهايته) أن تسقط فعلاً، ولا على تمثاله التكريمي الذي أزيل قبل أيّام من قاعة «الكولبنكيان» لعدم ارتقائه لقيمة الراحل، إنّها خائفة على روّاد ساحته والمُعرضين عنها... خائفة على العراق كلّه. وما زال «نصب الحريّة» على حاله، قاعدته تختنق بالأتربة وبقايا الملصقات السياسية والدينية، والتشقّقات التي رأيناها قبل رئيس الوزراء طبعاً!