«جوليا» علي جابر هي ابنة «صافو» أو «إنصاف». «إنصاف» التي أرادت أن تتخلص منها في فترة الحمل انتقاماً من زواج «علي» من امرأة سورية اسمها «شمس». علي المزارع و«ضامن الحقول» الذي أحبّت جوليا أن تعرفه أكثر.

هكذا يمضي عرض «اسمي جوليا» في رسم طريق حياة امرأة تعيش في بيئة تقليدية شيعية. رسم يبتعد عن الكاريكاتورية، إلا أنه نابض بالحياة والمواقف والقصص والحكايا.
يدهشك يحيى جابر، كاتب نص العرض ومخرجه، في تطويعه وتليينه للحزن الكامن في عددٍ كبير من المشاهد التي أصبحت بمعظمها مادةً للضحك: الضحك الصافي البسيط والشعبي كما عوّدنا صاحب «خذ الكتاب بقوة» الذي اتخذ في الآونة الأخيرة من العروض المونودرامية عنواناً لخشبته.

تفاصيل صغيرة تجعل أيّ حدث مادة «فرجةٍ» قوامها النص المحكم

بعد «بيروت... الطريق الجديدة» و«بيروت فوق الشجرة»، يضيف يحيى جابر «اسمي جوليا» على ريبيرتوار أعماله التي ما زالت تعرض حتى اليوم. الجديد هذه المرة هو استحضار المرأة على الخشبة بعدما كانت روحاً في عروضه السابقة: بيروت بالنسبة إلى يحيى هي الأنثى التي لم تكتمل. من دون ادّعاء وبشكل واقعي يبتعد عن الاستعارات، يتوغل يحيى أكثر فأكثر، في حياة امرأة واحدة لا غير. بهذا المعنى، ينتقل من الحيّز العام إلى الخاص. يبتعد عن انتروبولوجيا المدينة ويركز على حكاية شخصية: حكاية جوليا.
للمرة الأولى، سوف ينعم المشهد بطرفة مواقف وحكايا يحيى من منظار امرأة ضمن قالب تراجيكوميدي، وهذه أيضاً إضافة تشكل تحدياً كبيراً لدى يحيى في عمله الجديد، فكوميدياه تحاذي حدثاً تراجيدياً.
العرض الذي بدأ بفتاة جالسة على كرسي تغني «ست الحبايب يا حبيبة»، ينتقل بسرعة من حادثة إلى أخرى مرت بها تلك المرأة الـ«برج البراجنية» العنيدة المشاغبة منذ صغرها. «الحسن صبي»، التي كانت ترتدي الشورت ثم تحجّبت، بحثت عن الحب ولم تجده، وأصيبت أخيراً بسرطان الثدي وضحكت عليه. أحبّت «جوليا» حيدر الملتزم دينياً واستدرجته لتقبيلها بحنكتها، فشاع خبر القبلة عند جارتها «ميمي» التي أرادت أن تشبهها بشعرها الطويل، وانتهى أمر تلك العلاقة بخيانة حيدر لها مع ميمي... ميمي التي عرفت كيف تنتقم منها بعد سنوات. تحجّبت جوليا إثر تحرير الجنوب. جعلها التحرير وصور الشهداء تشعر بالإيمان. تزوجت حسين بلال قاسم، صاحب محل الـ«لانجري» الذي خدعها هو أيضاً بإخفاء ضعفه الجنسي واستغلّها مادياً، ثم أتى السرطان وواجهته بابتسامة وبمواساة من بكوا عليها حين عرفوا.
هو خيط حياة كاملة يمر أمام المشاهد. حياة امرأة بسيطة زاخرة بتفاصيل يحيى جابر الصغيرة التي تجعل أي حدث في حكايته مادة «فرجةٍ» قوامها النص المحكم وبراعة الممثل، وهنا براعة أنجو ريحان في أداء أدوار متعددة لمدة ساعتين تخللتهما فترة راحة.
اختار يحيى أن يدير ممثلته بشكل مختلف: أولاً، جرّدها من عنصر العزف الحي الذي كان موجوداً في عرضَيه السابقَين، ما جعل إيقاع العرض منوطاً بها كممثلة حصراً. ثانياً، لم يشتغل على جوليا كشخصية «نمطية» (كشخصية فؤاد في «بيروت فوق الشجرة») كذلك لم يشتغل على «جوليا» بصفتها «جوليا» الحكواتية فقط (كشخصية «بيروت... الطريق الجديدة»). «جوليا» حملت في أدائها وجهاً تراجيدياً مررته كلما سنحت لها الفرصة. بين مشهد وآخر، كانت تردد «جوليا. اسمي جوليا» كما لو أنها تؤكد لنفسها أنها ما زالت هنا بكامل قوتها، بكامل عنادها على حبّ الحياة، ما أضفى بعض الهدوء الذي لم نعهده مكوّناً من مكوّنات سلسلة عروضه البيروتية.
باستثناء اللهجة وتركيبة حيوات بعض الشخصيات، لم يركز يحيى في نصه المستوحى من قصة حقيقية على الخصوصية الشيعية: تقول أنجو ريحان إنّها تفضّل رؤية «جوليا» كامرأة صودف أنها شيعية وأصيبت بالسرطان.
ربما هو وقع القصة الحقيقية ومأساة السرطان اللذان فرضا نفسيهما على كل شيء وحوّلهما يحيى إلى ملهاة تراجيدية. ولربما، أيضاً، يخبّئ لنا يحيى جابر تنقيبه عن خصوصيات طوائف أهل المدينة لعرض آخر. أيعقل أن يكون اسمه «بيروت، بيت بيوت»؟ يجوز الوجهان.

* «اسمي جوليا»: حتى يوم غد ـــ «تياترو فردان» ـــ للاستعلام: 01/800003