أول من أمس، افتتحت عروض «حبيبي مش قاسمين» لرلى حمادة وعمار شلق ومصطفى حجازي على خشبة «مونو». هو عرض يُدخل المشاهد إلى غرفة نوم ثنائي يقطن في الأشرفية. عايدة أستاذة التاريخ، وسليم الزوج اللامبالي الذي يستوعب زوجته الفرنكوفونية الموسوسة. تتفجر علاقة عايدة وسليم مع دخول شاب يحمل سكيناً بشكل مفاجئ إلى غرفة نومهما. سرعان ما يكتشف المشاهد أن هذا الشاب سوري الجنسية واسمه محمود، وصل إلى منزل عايدة وسليم هرباً من دورية الأمن. اثر اقتحام محمود غرفة نوم الثنائي، تصحو كل الخلايا والأزمات النائمة في تلك العلاقة التي تجمع امرأة ورجلاً لمدة ٢٥ عاماً: الرجل العاقر الذي ينفّس عن عجزه وضعفه بسلسلة من الخيانات، وعايدة الزوجة التقليدية التي تدرك الخيانات بكل تفاصيلها وتلتزم الصمت حتى يتفجّر الجرح بسبب عامل خارجي: تسلّل غير مرغوب فيه في منتصف الليل. لاجئ سوري شاب، دخل مهدداً، لا يريد شيئاً إلا تضميد جرحه. بعد سلسلة من المواقف الطريفة المحفوفة بالخوف من محمود، تستفرد به عايدة لأنه لاجئ سوري. تلقي خطاباً طويلاً حول تنكيل الجيش السوري بالشعب اللبناني، فيجيبها محمود بوصف معاناةٍ شبيهة بصفته مواطناً سورياً حصل على منحة حكومية للدراسة في الخارج. وفقاً لمحمود، تشترط المنح الحكومية في سوريا وجود كفيل يضمن عودة الحاصل على المنحة إلى بلاده. وفي حال لم يعد، على الكفيل دفع كلفة المنحة. وهذا ما حصل. يقرر محمود الموسيقي البقاء في لندن إثر علاقة حب أدت إلى ولادة ابنته جنى، مما يلحق ضرراً وتهديداً كبيراً بعائلته. يضطر إلى العودة إلى سوريا حيث تندلع الحرب وتنقطع الأخبار عن حبيبته آشلي التي وعدته بمتابعة موضوع عودته إلى لندن، فيهرب إلى لبنان آملاً بالعودة إلى لندن. في تلك اللحظة، تتعاطف معه عايدة، ما لا يعجب زوجها. إثر أخذ ورد ونقاش، يخرج محمود من الغرفة، ويبدأ جدل لا ينتهي بين الزوجين حول إخفاقات علاقتهما.
أداء ملتهب ودينامي لكل من عمار شلق ورلى حمادة

العرض الذي كتبت نصه رلى حمادة، وتولى إخراجه موريس معلوف لاقى استحساناً كبيراً من الجمهور ليلة الافتتاح، وعلى الأرجح سيلاقي استحساناً مماثلاً لدى محبي ممثلين بحجم رلى حمادة وعمار شلق في العروض المقبلة. مع ذلك، لا بد من مقاربة العرض من ناحية احترافية ومن منظار نقدي.
اتسمّت السينوغرافيا بأناقة غرفة نوم معاصرة مع وجود لوحات منى كفوري معوّض المعروضة على حائط الأسلاك العنكبوتية الذي اتسم بإضفاء جمالية شكلية أمام أداء ملتهب ودينامي لكل من عمار شلق ورلى حمادة في حين كان أداء مصطفى حجازي متشنجاً بعض الشيء.
بُني نص «حبيبي مش قاسمين» على حبكة (خاصةً في نهايتها) لافتة ودينامية، رغم شيوع حبكة تسلل دخيل ثالث لتخريب أو إعادة ترتيب حياة ثنائي. كما حفلت المشاهد بمواقف طريفة ازدادت طرافةً مع الأداء الاحترافي والعفوي لكل من رلى حمادة وعمار شلق. إلا أن هذه الحبكة لم تكتمل بنص حواري تكون له مبرراته من ناحية الأفعال الدرامية أو التبدلات في حيوات الشخصيات. كما لو أن الحبكة سبقت التطوّر الدرامي للنص، فكان المشاهد يقفز من تبدل إلى آخر في شخصية عايدة أو سليم من دون أن يلمس أو يعي ذلك التبدل بشكل درامي أو مسرحي. اذ طغت النصوص المباشرة على الفعل المسرحي: كأن المونولوج الداخلي للشخصيات تحوّل إلى النص بحد ذاته، وشكل حوارات مبنية على خطابات بدل وجود مواقف وأفعال قد يجد لها الممثل مبررات.
ما زاد من عدم اكتمال النص، هو هذا التنميط لصورة اللبناني، وهذا التنميط لشخصية الزوج العاقر، ولسيدات الأشرفية ولصورة السوري أيضاً. قد يكون خياراً مشروعاً أن يتجه الكاتب نحو تركيب شخصيات نمطية في نصوصه: لكن عدم إضفاء خصوصية ما لكل شخصية من شخصياته النمطية، قد يسهم في إضعاف مجريات النص المسرحي.
كما أنّ هناك التباساً يسود مشهد الخطاب الذي تلته شخصية عايدة عند اكتشافها أنّ هذا الغريب الذي دخل غرفة نومها هو سوري: رغم حسن النوايا الظاهر لدى الكاتبة في كسر نمطية العنصرية تجاه اللاجئ السوري بمجرد تعاطفها معه لاحقاً، إلا أن هذا الخطاب بحد ذاته وبطريقته المونولوجية الطابع التي تتوجه مباشرة للجمهور يبدو كأنه تسجيل موقف يبرر ولو لوهلة أي موقف عنصري تجاه اللاجئ السوري، بحجة أن الجيش السوري نكّل باللبنانيين لسنوات. كان مفيداً لهذا المشهد أن يصاغ بشكل مختلف. كما أنه يطرح تساؤلاً أساسياً هنا: ماذا أضاف وجود الدخيل الثالث بصفته «اللاجئ السوري» على حبكة العرض وعلى علاقة عايدة بسليم؟ أهو مجرد توظيف خارجي رائج أم أنّ هناك فكرة مصارحة لبنانية سورية لم تكتمل؟

«حبيبي مش قاسمين»: حتى 16 تشرين الأول (أكتوبر) ــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ــ للاستعلام: 01/204022