بالثلج، يفتتح كوينتن تارانتينو جديده الويسترن The Hateful Eight «البغيضون الثمانية» (187 د.). تدخل موسيقى إنيو موريكوني لتشحن الأعصاب وتبثّ القشعريرة، على وقع حوافر الخيول التي تسابق عاصفة قادمة. الأسطورة الإيطالي خبير محنّك في هذا الجنر، منذ عمله مع سيرجيو ليوني في «ويسترن سباغيتي» الستينات. «حفنة من الدولارات» (1964) و«الطيّب والشرير والقبيح» (1966) وسواها، أصوات باقية في الذاكرة السينيفيليّة. التأكيد على النوع يكتمل بخطّ التتر، الذي يؤكّد أنّ كاميرا «ألترا بانافيجن 70» سجّلت الكوادر للمرّة 11 في تاريخ السينما. وحش ميكانيكي التقط «بين هور» (1959) لوليام وايلر، وبقي عاطلاً عن العمل منذ «خرطوم» (1966) لباسلي دردن وإليوت إليسوفون. في أيام العرض الأولى، تواترت أنباء عن مشاكل تقنيّة في بعض الصالات الأميركيّة والبريطانية، قبل أن يتم حلها.
هكذا، يواصل السينمائي الأميركي المشاكس (1963) ما بدأه في «دجانغو الطليق» (2012) في إحياء الويسترن بشتّى أنماطه. يعمل على تحميل سينما الدرجة الثانية B-Movies أبعاداً كبيرةً واشتغالات عميقة، كما في Death Proof عام 2007. يرى أنّ سبر أغوار أميركا ككيان وأمّة حضر دائماً في أفلام الويسترن، خصوصاً خلال السبعينات إثر حرب فييتنام وفضيحة «واترغيت». غير أنّ الرجل الآتي من جنّة السينما المستقلة في البدايات، قادر على اللعب وتطويع الجنس السينمائي، مستغلاً هوسه بالتاريخ والنقد السينمائي. فعلها الأخوان كوين سابقاً في True Grit 2010. هذا العام، يشاطره المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو الهم والتوجّه نفسيهما في عنوان كبير آخر هو The Revenant (راجع المقال في مكان آخر من الصفحة).
بالعودة إلى «البغيضون الثمانية»، يبدأ تارانتينو طرحه الشرس منذ البداية. ثلج يغطّي صليباً خشبياً آخذاً في التداعي. لننسَ الرب في هذه البقعة النائية من «وايومنغ». الحرب الأهليّة بين اتحاد الشمال وكونفدراليي الجنوب وضعت أوزارها للتو. النفوس مكلومة، والقلوب ما زالت تغلي. وسط هذا العصف الخارجي والداخلي، يضطرّ ثمانية أشخاص إلى الاحتماء بمأوى جبلي «محل ميني للخردوات»: صائد جوائز أسود، وجلّاد، وجنرال كونفدرالي، وشريف جديد، وعامل مكسيكي، وبريطاني أنيق، وكاوبوي مريب، وسجينة شقراء. هم «تارانتينيون»: يبطنون أكثر ممّا يظهرون، ولا يمانعون الذهاب إلى العنف المطلق، مع رائحة البارود المحترق، وليترات دماء على الأرض والجدران. إلى حدّ ما، هم «سفلة مجهولون» (2009)، مجتمعون في «مستودع الكلاب» (1992). نعم، يرجع كوينتن إلى الجذور الأولى، مصطحباً تيم روث ومايكل مادسن إلى بيتهما القديم. ينهل من تراث سيرجيو ليوني وإلمور ليونارد في الويسترن، ومن فرضيات أغاثا كريستي في الرواية. الفارق أنّ الجميع يتحكّم بالأحداث، وليس شخصاً واحداً. لا بأس من الرجوع إلى شريط الخيال العلمي «الشيء» (1992) لجون كاربنتر.
الرائد أسود البشرة «ماركيز وارن» (صامويل ل. جاكسون) جندي في سلاح الفرسان سابقاً، صائد جوائز حالياً. يفخر أنّه كان صديق مراسلة للينكولن نفسه. بعد جريمة حرب لا يجد ضيراً في التفاخر بها، اكتفت الخيّالة بطرده، نظراً إلى سجلّه الذهبي في سفك دماء السكّان الأصليين (يُعرّفون بالهنود الحمر). مع ذلك، يحاول تدبّر أمره في بلد يلعق جراحه. «ليس لديك فكرة عن كونك أسود في مواجهة أميركا». يقول مبتسماً.

«عشاء أخير» يؤكّد أنّ الأمّة تأسّست على العنف والقتل والدماء
لا بدّ من حضور جاكسون للمرّة السادسة في فيلموغرافيا كوينتن. هو هارب من «بالب فيكشن» (1994) بعض الشيء، خصوصاً في لحظات غضبه. «جون روث» (كيرت راسل) جلّاد يقتاد «ديزي دوميرغو» (جينيفر جاسون لي) إلى حبل المشنقة في بلدة «ريدروك». هي مجرمة حادّة الطباع كالفلفل. لا مشكلة لديها في البصاق على الأرض، وتلقّي بعض اللكمات. جينيفر جاسون لي تلعب أحد أدوار عمرها ببهاء سيمنحها ترشيحاً للأوسكار القريب على الأرجح. «وارن» يجلب المجرمين جثثاً، فيما «روث» يوصلهم أحياءً، لأنّه يحبّ منظرهم مع المشنقة: «لا أحد يقول إنّ العمل يجب أن يكون سهلاً». ينضمّ لهما شريف البلدة الجديد «كريس مانيكس» (والتون غوغينز في أداء يرفع القبعة)، أصغر أبناء المنشق الجنوبي «أرسكين مانيكس». هو مثير للمشاكل، مع نزعة تحرشيّة بشؤون الآخرين. يخلط الأوراق بكشف المزيد عن رفاق الرحلة. عائلته قاتلت الاتحاد، وسلخت بعض جلود ملوّني البشرة، من أجل «هزيمة مشرّفة». داخل المحل، نتعرّف إلى الجنرال «سانفورد سميثرز» الذي يلعبه الأوسكاري العجوز «بروس ديرن». الرجل فخور بقتل الشماليين والسود كما فعل آل «مانيكس». قطع مسافةً كبيرةً لوضع حجر على قبر ابنه الذي قضى هنا. هو متعصّب لمعتقداته كما المتوقع من رجل في سنّه. «تلك مشكلة كبار السن. يمكنك أن تركلهم ليقعوا عن الدرج وتقول إنّه حادث، لكن لا يمكنك إطلاق النار عليهم». لدينا أيضاً بريطاني أنيق يُدعَى «أوزوالدو موبري» (تيم روث). ينظّر عن أنواع العدالة، وعدم حضورها في شريعة الغاب، فيما يشرف على تنفيذ أحكام الإعدام. «جو غايج» (مايكل مادسن) كاوبوي ينوي قضاء الكريسماس مع أمّه. «بوب» (دميان بشير) عامل مكسيكي خشن، يدير المكان في غياب أصحابه. أميركا الشمال والجنوب، الأعراق والألوان والأصول المتنوّعة، تجتمع مجبرةً تحت سقف واحد. «عشاء أخير» يؤكّد أنّ الأمّة تأسّست على العنف والقتل والدماء. لا مجال للمهادنة في اختراع شخصيات مختلفة. الكل في الكل. الكل يقتل الكل.
«البغيضون الثمانية» تأكيد جديد على تارانتينو الغول في الكتابة (ترشيح أوسكار سيناريو أصلي متوقع قريباً). المفارقة أنّه يدين بفضل الجوائز الكبيرة (أوسكاران، جائزتا غولدن غلوب ومثلهما بافتا) إلى السيناريو وليس الإخراج. تُستثنى سعفة كان عن Pulp Fiction عام 1994. هنا، يقترح بنية متماسكة، على امتداد ستة فصول. ينسج حوار «بينغ بونغ» حامي الوطيس. لا أحد في مثل براعته بخلق إيقاعاً يخدم الحوار، ويعيد له الاعتبار، معاكساً بعض السينمائيين الذين يترفعون (أو لا يجرؤون) على لعبة كهذه. هو بهلوان شيطاني في التلاعب بالشخصيّات، وغزلها حسب مشيئته. يتدخّل بصوته لدفع السرد إلى الأمام أو الخلف. Cameo (ظهور صغير) صوتي لمخرج اعتاد لعب أدوار محدودة في أفلامه. على الصعيد الفنّي، تيمة موريكوني لا تُقدّر بثمن. شريط الصوت متوّج بخلفية من صراخ السائس وركض الخيول واشتداد العاصفة. كل ذلك موزون كالذهب في «ميزانسين» مدهش في تكيّفه مع حدود المكان. كاميرا تنتقل عرضياً أو تراوح مكانها في مواقع متقابلة (180 درجة). ماذا عن النهاية؟ بالتأكيد لا مجال لكشفها، سوى بانطباع صغير: «وااااو».

The Hateful Eight: بدءاً من الخميس المقبل في الصالات اللبنانية