رغم تجاور العرب والإيرانيين جغرافياً وتشاركهم فضاء معرفياً متقارباً، فإن المبادرات للتبادل الثقافي بين الشعبين تكاد تكون منعدمة لأسباب سياسية وتاريخية عدة. معرض الفن الذي ستستضيفه طهران في متحفها للفن المعاصر خلال شهري تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) المقبلين، تحت عنوان «البحر معلقاً: نماذج من الفن التشكيلي العربي الحديث من مجموعة بارجيل» سيكون بمثابة نقلة نوعيّة لمزيد من الاستكشاف البناء بين نخب الشعبين، وفتح لكوة في جدار ظلام تجاهل الآخر وسوء الفهم المتبادل.
تقديم أعمال فنانين عراقيين من رواد الحداثة


المعرض الذي يعد الأول من نوعه في العاصمة الإيرانية تنظمه «مؤسسة بارجيل للفنون» الإماراتيّة الخاصة التي تتولى إدارة وعرض مقتنيات المجموعة الفنية الشخصية لسلطان سعود القاسمي. تعد هذه المؤسسة من أنشط المؤسسات العربية في تعريف العالم بالأعمال الفنيّة العربيّة، وتتعاون مع متاحف عالمية لتقديم نماذج من هذه الأعمال ضمن ثيمات متنوعة. تمتلك المؤسسة ما يزيد عن ١٠٠٠ من أهم الأعمال التشكيلية لفنانين معاصرين من مختلف أنحاء العالم العربي، تمثّل مدارس واتجاهات متنوعة ضمن مرحلة ما بعد الاستقلال ونشوء الدول الوطنية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. فترة اتسمت بتحولات اجتماعيّة عميقة يقدّم الفن التشكيلي إحدى أهم وسائل فهمها وتوثيقها.
سيقام المعرض في «متحف طهران للفن المعاصر» الذي يعدّ من أهم متاحف الفن المعاصر في الشرق الأوسط، ويمتلك أكثر من ٣٠٠٠ عمل فني ذات قيمة عالمية تغطي فترات نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إضافة إلى أكبر مجموعة من الفن الإيراني الحديث والمعاصر. وكان المتحف افتُتح قبل عامين من الثورة الإيرانيّة عام ١٩٧٩، وتعتبر مجموعته أهم مقتنيات من الفن الغربي خارج أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى عرضه منحوتات لفنانين عالميين في حدائقه ليس أقلهم هنري مور.
سيقدّم المعرض أعمالاً عربيّة تستكشف مرحلة تقاطع صعود الدولة الوطنية مع تطور شعور الأفراد بالذات في الفترة بين ١٩٤٠ و١٩٩٠ من خلال قراءة التناقض بين القرية والمدينة، بين اللغة والتجريد، وبين الزيّ والعري. لقد عبّر فنانو الحداثة العرب بريشتهم وبتقنيات متنوعة عن أحلام أجيالهم وتطلعاتها وتطور هوياتها الجمعية والفردية. الأعمال ستتوزع على دول عربيّة مختلفة وفنانين من مدارس فنيّة وفكريّة متنوعة، وستعكس المزاج الاجتماعي الخاص للمجتمع الذي أتت منه الأعمال. اللوحات المصرية مثلاً تصور تداخلاً بين البيئة المحلية وقصص الحرب والهزيمة، بينما تعكس أعمال الخليج من الإمارات وقطر نزوحاً نحو التجريد والاحتفاء بالكتابة العربيّة المبهرة. لكن زبدة المعرض قد تكون المجموعة العراقيّة التي تشمل أعمالاً لفنانين عراقيين من رواد الحداثة في العالم العربي كشاكر حسن آل سعيد، وضياء العزاوي وأيضاً لوحة كاظم حيدر المشهورة «عشرة خيول متعبة تتحاور مع اللاشيء». ولتوسيع قاعدة التغطية، ستكون هناك أعمال لفنانين من المغرب والجزائر وفلسطين ولبنان.
مجيد مولانوروزي، أمين «متحف طهران للفن المعاصر» علّق على استضافة المدينة لمعرض بهذه الأهمية بقوله «قيمة الفن هي أنه يسمح بمشاركة التجارب الإنسانيّة ليس بين الأشخاص فحسب، بل عبر الحدود واللغات المحكيّة". وأعرب سعادته بالتعاون مع مؤسسة عربية بالذات ليكون ذلك جسراً لتقديم ثقافة الشعبين لبعضهما، وبناء تفهم أفضل لتجاربهما المعاصرة.

* «البحر معلّقاً»: من 8 ت 2 (نوفمبر) حتى 23 ك1 (ديسمبر) ـــ «متحف طهران للفن المعاصر» ــ barjeelartfoundation.org