بشكلٍ عام، يمكن القول إنّ «خيط حرير على خيط حرير» المقام حالياً في «مركز بيروت للفن» هو استكمال لمعرض «التطريز الفلسطيني» الذي أقيم قبل شهرين في «دار النمر»، رغم أنه يأتي في سياقات مختلفة، ويشتمل على أعمال أكثر تجريباً في اعتراضها على السُلطة والذكورية، وأحياناً على الجوانب المظلمة من الحداثة. بشكلٍ عام أيضاً، تبرز نقاط قوة هذا النوع من الفنون مجدداً، بحيث أن التطريز يعمل على ترتيب العلاقة بين الخطوط المرسومة والأحرف المكتوبة إلى حد مزجها، من دون أن يلغي ذلك الميل في بعض الأعمال إلى العبث. في هذا السياق، تقول راشيل ديدمان، منسّقة المعرض، إنّ الأخير نما على طبقات. كانت الانطلاقة الأولى برعاية المتحف الفلسطيني، لكن مديرة «مركز بيروت للفن»، ماري موراكيول اهتمت بأبحاث ديدمان عن التطريز، كما أنها (ماري موراكيول) صاحبة علاقة طويلة بالنسج. هكذا، عملتا معاً على بلورة فكرة المعرض، الذي يهدف إلى اكتشاف التطريز وأدواره السياسية والثقافية ضمن مجموعة أعمال من الفنانين الذين ينتجون فناً معاصراً، من المنطقة العربية ومن خارجها أيضاً. وهذا ما يميّزه عن المعرض السابق، بحيث أن التطريز في السياق الفلسطيني، هو «حرفة تشمل جوانب سياسية واجتماعية واقتصادية، بوصفه طريقة للتعبير وعلى ذات القدر من ذلك، بوصفه يوفر مدخولاً لآلاف الفلسطينيات في الشتات». تعتبر ديدمان أن التطريز هو مؤشر ضروري إلى دراسة التراث الوطني في سياقٍ ما، يشكل نوعاً من ثقافة مادية حيّة. هذا المعرض، يخرج من خصوصية فلسطين، ويجمع بين 15 فناناً من جميع أنحاء العالم، من بينهم المغربية ايتو برادة، والفلسطينيون منى حاطوم، وتيسير البطنيجي وخليل رباح، إلى جانب اللبنانيين منيرة الصلح، ورائد ياسين، ونصري صايغ وغيرهم ممن يستخدمون التطريز حصراً كوسيلة ذات دلالات عميقة لاهتمامات فنية معاصرة.

وفق ديدمان، فإنّ الاهتمام في «خيط حرير على خيط حرير» يتركز «على مفهوم التطريز بحذ ذاته، وعلى قدرته على العرض والإخفاء، على صناعة الخيال وعلى كشف الواقع، بالإضافة إلى طرح الكثير من الأسئلة في وعاء مشترك». في بعض النصوص المستخدمة داخل اللوحات، كعمل منيرة الصلح «لنا كل الحق في التفاهة»، قد تبرز قوة النص على حساب التقطيب المتساهل. يقول النص: «أنا هربت من حرب لبنان سنة 1989 مع أصحابي. كنت صغير، عمري 4 سنين. بسوريا أهلي سلّموني لستي وخالتي، هني ربوني. جدي كان تاجر أقمشة، كان يسافر تركيا وإيران، كنت ضلّ بالمحل بس هو يسافر». هذه اللغة التي تبدو عادية، تكتسب قوة إضافية بسبب التطريز المركّب. وإن كان المنظمون يقولون إن هذه العلاقة بين النص والقطبة هي المرحلة الأولى من المعرض بوصفها شكلاً من أشكال الترجمة، كنسق لبناء المعنى وخلخلة القيم السائدة، فإنّ هذا لا ينسحب على جميع الأعمال بطبيعة الحال، التي يلامس بعضها التقليدية. وعمل الصلح تحديداً، لا يخلخل نظرةً سائدة بقدر ما يثبتها، بخاصة أنّ «لنا كل الحق في التفاهة» يرمي إلى تصوير بورتريه حميمي لأحد المهمشين من المجتمع. ولا يلغي ذلك أنّ استخدام التطريز ينطوي على مهارة استثنائية. وحول ارتباط التطريز بمسألة الهوية، تذهب ديدمان إلى التأكيد، بأنه بمعزل عن علاقته بالديكور والزخرفة، فإن التطريز يحمل بساطة وجودية: العلاقة الوثيقة بين الخيط والنسيج. برأيها، فإنّ هذه الميزة ــ على نحوٍ جزئي ــ هي التي تجعل العمل متاحاً للجميع. ثمة تواضع في الغرزة نفسها. تدلف من هذا العرض العام، لتتحدث عن عمل الصلح تحديداً الذي «يستفيد من حميمية التطريز حينما يتناول موضوع اللاجئين السوريين والفلسطينيين، باستخدام القطن والرصاص لالتقاط التناقض والتشابه».

منى حاطوم وخليل رباح يتصديان للذكورية

أما شيلا هيكس، فلديها شيء آخر تقوله. تحاول في قطعتها الفنية استكشاف طريقة بناء المسطحات. لوحتها مسجاة بخيوط رفيعة من القطن، محافظةً على تجريدها، رغم أن الخيوط تلتف مراراً على اللوحة، ما يتسق مع روح المعنى في التطريز. التطريز في أعمالها هو «تغليف الأسطح بالخيوط». لا تعقيدات كثيرة في عمل هيكس، لا عقد ساطعة ولا غرزات حادة، ما يجعل عملها أشبه بقطعة معرضة للتفكك والسقوط على الأرض. إنه عملٍ خالٍ من أي قسوة. هكذا يمكن الإشارة أيضاً إلى استخدامها المقصود للأبيض، كإعلانٍ لبدايةٍ ما كما تقول، أو كإعلان لتسامح يمتد مع الوقت كانطباع أول للناظر. وعلى عكس هيكس، فإنه عند الفنانة الفلسطينية المعروفة منى حاطوم، التي تستخدم الشعر في أغلب أعمالها، يمكن التماس النهايات أكثر من البدايات. شعر منى حاطوم مختار بعناية واهتمام، يزج في العمل الفني في خدمة منحى يرزح بين التاريخ والحداثة في آن. لا عناصر وافرة في عمل حاطوم، لكنه يقول إنه يرفض السمات الذكورية التي تعيد إنتاج نفسها تاريخياً وحداثياً، وذلك بتشكله من مواد ذات طبيعة عضوية حميمية بمدلولات شهوانية. النظر إلى «مربعات متشابكة على شعر»، يحيل إلى هشاشة اللوحة وقوتها، بحيث يشعر قارئها أنها ستفلت من عينيه، أو تستحيل حوافاً تقاوم التلاشي التام، كما يقول التعريف الملصق إلى جانبها. وفي السياق المعترض نفسه، الذي يتصدى للذكورية ومعناها السلطوي، يحاول خليل رباح في عمله «وشم»، أن يفرغ الكوفية الفلسطينية من المحتوى المضاف إليها، أي المحتوى الذي يمنحها طابعاً ذكورياً وسلطوياً. علّقت الكوفية بتجرد من دون أن تربط، وتحتها تركت أطرافها السوداء، كما لو أنّ رباح يحاول تفكيكها تماماً، من دون أن يمس برمزيتها كأيقونةٍ للنضال الفلسطيني. بكلمات أخرى، أرادها كوفية فارغة من أي أنياب سلطوية سياسية واجتماعية. فكرة رباح الخلاقة ليس بالضرورة أن تعكس تطبيق العمل. في المبدأ، الخيوط السوداء التي انتزعها رباح من الأطراف (الكوفية) جامعاً إياها أسفل الكوفية المعلّقة، ترمي إلى إحالة الشعار المحمّل بمدلولات الفحولة الفلسطينية إلى مادة وجسد، إلى علاقة بكل ما هو جسماني. لكن التطريز عموماً يقوم على تماسك العناصر، مما يجعل عمل رباح باهراً، لكنه يتفرد في خصوصيته عن بقية الأعمال المعروضة ومنقطعاً عنها. ذلك لا ينفي أنه يتقاطع معها في العمق. فالنسيج في «وشم» يتراجع، ويضمحل، وتصير الكوفية نفسها بحجم جديد، أكثر استحواذاً على البصر، بينما يشير الخيط الأسود فعلاً إلى متانة المعنى المتعلق بالهوية، بعد تجريده من الهشاشة المادية.
يقول المنظمون إنّ للتطريز وجهين: الواجهة الأنيقة المنسّقة وفق القاعدة والظهر غير المنتظم. التناقض هذا يظهر في بعض الأعمال التي تحاول تفكيك الصيرورات والمادة. غير أنّ أهم ما في معرض «خيط حرير على خيط حرير» هو إثبات قدرة التطريز ــ وعلى نحوٍ لافت ــ على الجمع بين القدرة على اجتراح سرديات متصلة بالواقع، من دون أن تخسر إضافة الخيال أيضاً. تتفق معنا راشيل ديدمان على أن التطريز هو فن مرن. وكممارسة توجب عملاً متكرراً هو الغرز، فإنه يشير بطريقةٍ ما إلى مرور الوقت وإلى تراكم الوقت. إنه فن مرن فعلاً، قادر على نسج علاقة متينة بين أدوات عدة، ما يجعله صاحبه قادراً على البناء، وأيضاً على التحطيم.

* «خيط حرير على خيط حرير»: حتى 6 ت 2 (نوفمبر) ـــ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/397018