بيت الموضة الأشهر «شانيل»، مشغول هذه الأيام بنشاط هام يقيمه في مدينة البندقيّة الإيطالية. هذه المرّة ليس لعرض موسم جديد لمنتجاته من الثياب الفاخرة (ستعرض في باريس قريباً)، لكن لتقديم المرحلة السابعة من برنامجه المخصص للاحتفال بالأسطورة غابرييل بونور شانيل (١٨٨٣-١٩٧١)، المشهورة بـ «مدام كوكو».

البرنامج الذي أطلق عليه اسم Culture Chanel، اختارت «دار شانيل» أن تقدّمه في أجواء إيطاليّة لا أقل من البندقية الساحرة. لذلك، استأجرت ساحة عامة (بلازا) مطلّة على الـ «كانال غرانده» (القنال الكبير)، بالإضافة إلى صالة متحف بلدية البندقية للفن الحديث لتقدّم معرضاً خاصاً سيستمر حتى الثامن من كانون الثاني (يناير) من العام المقبل وتدور ثيمته حول «المرأة التي كانت تقرأ». يستكشف المعرض عن قرب الاهتمامات الأدبيّة لمصممة الأزياء الفرنسيّة الأكثر تأثيراً في القرن العشرين وفق مجلة الـ «تايم» الأميركيّة، وكيف كانت علاقاتها بالكتب، وبمؤلفي هذه الكتب أيضاً. اهتمامات شكلت جزءاً هاماً من مصادر تكوينها الإبداعي.
يقدّم المعرض مجموعة هائلة من مقتنيات «مدام كوكو» من كتب، ورسائل، ورسومات، وممتلكات توحي للمشاهد - وفق النقاد - بأن شانيل لم تكن لتكون شانيل من دون هذه الشبكة الواسعة من الأصدقاء الأدبيين، والفنانين والعشاق والمتعاونين الذين كانوا نسيج عالمها، وجزءاً لا يتجزأ من نجاحها المبهر.

ينسب إليها انتشار البنطال بين النساء وأيضاً لون البرونزاج الذي كان يقتصر على الفقراء والفلاحين

غابرييل شانيل - التي لقبت بـ «كوكو» ربطاً بأغنية فرنسيّة شهيرة وطبقت شهرتها الآفاق كأيقونة الأناقة النسائية الراقية، عاشت بداية حياتها في ميتم بعدما توفيت والدتها وهي في سن الـ ١٢. تركها والدها وهاجر إلى أميركا بحثاً عن الرزق. جربت الغناء لفترة قصيرة، قبل أن تتعلم الخياطة، وتبدأ في صناعة القبعات التي كانت رائجة بين الفرنسيّات في ذلك الحين. من شدة تميّز منتجاتها، ما لبثت أن فتحت لها عام ١٩١٠ متجراً مستقلاً في ٣١ شارع كامبون في باريس بالقرب من فندق «الريتز»، ودخلت لاحقاً في صناعة الأقمشة كي تتحكم بنوعية المواد الداخلة في عملها. في وقت لاحق، تجرأت وأطلقت بالتعاون مع شركة عطور فرنسيّة العطر رقم ٥ الذي ما زال من الأصناف الكلاسيكيّة بعد مرور ما يقارب قرناً على إطلاقه.
شانيل كانت ثورة في عالم الملابس النسائية. حررت المرأة من التعقيدات وقطع القماش التي تعيق حركتها، وقدمت أعلى مستويات الأناقة من خلال البساطة والوضوح، وينسب إليها انتشار البنطال بين النساء وأيضاً لون البرونزاج بعدما كان لوناً مقتصراً على الفقراء والفلاحين. كانت عدوة الابتذال الأولى، هي التي قالت إنّ «الرفاهيّة لا تعني البهرجة بل غياب الابتذال. وأنا موجودة الآن هنا لأحاربه». وفي الحقائب، أضافت السلاسل الذهبية التي حررت أيدي النساء من حملها، ونقلتها إلى الأكتاف.
وبعد القبعات والعطور والحقائب، اقتحمت «مدام كوكو» مساحة الأكسسوار النسائي، فقدمت تشكيلة حلي ماسيّة ثمينة بتصاميم مبهرة أحدثت لدى تقديمها ضجة واسعة في عالم الأزياء.
تحول اسم شانيل إلى ماركة تجاريّة عالميّة تجاوزت حدود سوقها الباريسي الأوّل، وأضافت إلى شعار أعمالها حرفي C متعارضان (أي كوكو وشانيل بالفرنسيّة). في الستينيات، صممت شانيل ملابس مضيفات طيران الأولمبيك اليونانية التي كان يمتلكها المليونير أوناسيس، فأسست لموضة تبعتها شركات طيران كثيرة لاحقاً.
في الحرب العالمية الثانية، اتُّهمت مدام كوكو بالتعاون مع الألمان، إذ كانت قد عاشت سنوات عدة مع ضابط ألماني وسيم في فندق «الريتز» في باريس أيام الاحتلال الألماني، وهكذا قبض عليها فور دخول الحلفاء إلى المدينة، لكن ونستون تشرشل تدخل شخصياً لإطلاق سراحها، فغادرت إلى سويسرا ودفنت فيها لاحقاً.
أعمال شركة شانيل اليوم بمليارات الدولارات، تدير أكثر من ٢٠٠ معرض أيقوني المعمار حول العالم، وما زال اسم هذه الفرنسيّة الفاتنة يوحي بالثقة والأناقة والنخبوية في مخيلة ملايين النساء والرّجال حتى بعد مرور أكثر من ٤٥ عاماً على غيابها.
فلسفة البرنامج المخصص لاستعراض مصادر ثقافة مدام كوكو قائمة على نظريتها بأنّ الموضة ليست في الفساتين، بل في كل شيء حولنا، في الشارع، في طريقة العيش وفي الأفكار المتداولة. تتصدر معرض البندقية لوحة تظهر مدام كوكو وهي في العشرينيات من عمرها مستلقية على سريرها وبيدها كتاب، وإلى جوارها وضعت نسخة مكتوبة بخط اليد من رواية «مدام بوفاري» التي كتبها فولبير، مفتوحة على الصفحة التي يصف فيها الصبية إيما وهي تلتهم الروايات الرومانسيّة في مكتبة الميتم حيث نشأت. كانت مدام كوكو قد تعلقت بالقراءة والإغواء منذ أيام الميتم. هكذا تقول سيرتها الرسمية على الأقل. في المعرض أيضاً لوحة بيكاسو لامرأة تقرأ رسمها عام ١٩١٦، علماً بأن بيكاسو وشانيل كانا صديقين مقرّبين، وكلاهما كان في المجموعات الفنيّة المعاصرة الرائدة حينها، التي شكّلت تاريخ الفن في القرن العشرين.
يقدّم المعرض دلائل على علاقات قويّة لمدام كوكو بعدد كبير من الفنانين والشعراء والأدباء والمفكرين والموسيقيين من خلال مجموعة من إهداءات الكتب، والرسائل الشخصيّة، والملاحظات المكتوبة القصيرة. لقد كانت بنت مناخ ثقافي ثوري: جان كوكتو، سلفادور دالي، ترسيتان تزارا وغيرهم هم حلقتها الأقرب من الأصدقاء الشخصيين. مدام كوكو مثلاً صممت أزياء مسرحيّة «أنتيغون» الشهيرة التي قدّمها كوكتو في ١٩٢٧، ورسم تصميماتها بيكاسو ولحّن موسيقاها أرثر هونيغر، أي لقاءُ عمالقة بكل معنى الكلمة. في المعرض أيضاً رسالة من دالي موجهة إلى «صغيرتي الجميلة كوكو»، وملاحظة من كوكتو على كارت صغير لفندق من نيويورك «أحبك من كل قلبي». كذلك هناك صورة لعشيق مدام كوكو الأول، وشريكها في عالم الأعمال آرثر كابل، وهو يبدو أيضاً في الصورة مستغرقاً في القراءة. في المعرض أيضاً، نعثر على ورقة مطوية طالما احتفظت بها مدام كوكو في حقيبتها اليدوية، وهي نص لجوزفين بيلادان نقلته مدام كوكو بخط يدها يقول: «الحياة التي نعيش تنتهي دوماً إلى القليل. الحياة التي نحلم بها هي تجربة الوجود الأهم لأنها تبقى لما بعد الموت». كانت مدام كوكو تعلم أنها خالدة، ولن تموت. إنها كالحلم حيّة في قلوب الملايين.




سيرتها في أعمال فنية

أنتج عن مدام كوكو وحياتها الصاخبة وعشاقها الكثيرين أفلام سينمائية كثيرة، وأيضاً مسرحيّة موسيقيّة (تلحين أندريه بيرفين) قدّمت في برودواي في ١٩٦٩. «شانيل سوليتر» كان أول الأفلام الدراميّة أنتج في ١٩٨١. وفي ٢٠٠٨ ظهر فيلم تلفزيوني عن حياتها باسم «كوكو شانيل» أخرجه كريستيان دوغاي، ثم في ٢٠٠٩ «كوكو قبل شانيل» هو فيلم وثائقي ـ درامي باللغة الفرنسيّة. ثم جاء فيلم «كوكو شانيل وإيغور سترافنسكي» باللغة الفرنسية كذلك في ٢٠٠٩. كذلك، كتبت عنها روايات وسير كثيرة روت قصة حياتها الصاخبة، لعل آخرها صدر قبل ستة أشهر لـ سي.دبليو كورتنر تحت عنوان «شانيل».