(إلى الوزير الصديق روني عريجي).

لا يعرف الكثيرون الكثير، عن الأوركسترا الشرق عربية، لا لأنها أخفقت. بالعكس، لأنها تمتلك شموسها الافتراضية، أكثر مما تمتلك حضورها المعماري بين الناس، حيث لا تزال، واحدة من الدعاة، ضد اليأس. ضد اتكاء اليأس على حيطان الأمل. ما دام دور الأوركسترا يدور في فلك الثقافة المحضة، على منصة من منصات الأمل النادرة في لبنان. ترجمت الأوركسترا، مع ذلك وبذلك، حضورها، بعيداً من العبث الخالص. لأن مشروعها، مشروع ضد الحضيض، وسط الحروب والانتكاسات الاجتماعية المدمرة، في بلدان الشرق. لا يتعب المايسترو، أندريه الحاج، من حياكة الأحلام، بعيداً من الإحصاءات، بعيداً من الأوهام الفاشلة. لا يعزي أحداً. لا يعزي نفسه، على ما آلت إليه أحوال البلاد. لا وقت لديه، وسط برنامج الأوركسترا المزوبع، على نوافذ الأفكار النافذة. لا هدوء مع هذا الرجل النحيل. لا هدنة. لا استراحة. تكريم فريد الأطرش، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، الأخوين رحباني، زكي ناصيف، مارسيل خليفة، أحمد قعبور، فريدة الصيقلي، نهاد طربيه. مروحة عريضة أو قطار بلا تذاكر قطار. عشرات الأسماء على أجندة من هواء. يتذكر ما لا يستحق النسيان. لا يجلس للحظة، وهو يقود الأوركسترا، في الطابق الأرضي من مبنى المعهد الوطني للموسيقى، الكونسرفتوار، في منطقة زقاق البلاط. كأنه هناك منذ سبعين سنة، بوضعية القائد. لا يزال هناك، منذ سبعين سنة وأكثر. منذ ما قبل إنشاء الكونسرفتوار. في الصيف والشتاء. يتجعد وجهه، شرط أن لا يتجعد الحلم. أن لا يتجعد وجه الأوركسترا، الأشبه بالمظروف، لا يعرف أحدٌ ما بداخله إلا صاحبه. هذه ميزة من ميزات الإنسان غير الفاشل. هناك، على عرشه، يرفع عصاه الرفيعة، فوق التاريخ والمؤرخين وعشرات الآلات بأيدي عشرات العازفين. مدنيون بنزعة عسكرية. لا ينسى أن يتذكر، أن ضيف حصة الاستعداد للحفل، قريب المحتفى به: توفيق الباشا. فهم الأخير وأحس بعيشه، قبل أن يغيب في واحدة من اللحظات الدراماتيكية، وحيداً على سرير مستشفى بيروتي، لم يفكر به في يوم. للآلات أسماء كثيرة. اليد باسم واحد. يد. تلعب الأيدي، كل أشكال الاتصالات بين الآلات. كل شيء قابل للبحث بين الأيدي والآلات. كونترباص، كمنجة، تشيللو، عود، قانون، آلات نفخ آلات إيقاع وآلات وترية أخرى. تسعى كلها إلى إعلان اللحظة الشعرية العليا، في القطعة الموسيقية، على حلول يدي المايسترو وارتحالها بالهواء، بلا هوادة. القيادة قيادة هنا. قيادة الفرقة، قيادة الزمن، قيادة الغائب، الحاضر. تخيم يدا المايسترو أندريه الحاج، على سطور العازفين، في قاعة التدريبات، في المعهد الوطني للموسيقى. لا يسمح لأحد المتأخرين، بالتوقيع على دفتر الحضور. لا لأنه مع الدوام. لأنه يرى باحترام الوقت شمساً طيبة. لا هاتف أرضياً ولا هاتف خلوياً. لا أحد، لا علاقة له، بصوغ اللحظات الجديدة في الأغاني القديمة والموسيقى المؤلفة منذ بعيد. لا أسطرة للأسماء المستعادة. كسوتها باللحم الحي من جديد. الدور دور توفيق الباشا، في ذكرى غيابه العاشرة.
ليس الحنين وحده ما يفرض حضور الغائب. ما يفرض الحضور، قيمة الحاضر، على ما يقول المايسترو أندريه الحاج. «لا نُكرِم ، نُكَّرم حين نكرم. لم يستغن ِ توفيق الباشا، عن الأشكال الموسيقية، التراثية، العربية غير أنه جدَّد فيها، بدون افتتان مُشِّل. أشكال قديمة في أشكال متجددة».
لن تلعب الأوركسترا بعض مؤلفات توفيق الباشا، فقط. بشارف وتحاميل وموشحات وأغنيات وبعض الطلات على الفلكلور (دبكة الفارس وواحدة من افتتاحيات مهرجانات بعلبك الدولية). هناك، طيور بهية أخرى. هناك صور بهية أخرى. «وهابيات» وزعها الباشا، بعيداً من أسلوب الأب المؤسس. شكلت القطع تلك نفسها، حتى وجد الباشا في حضورها الاستدعاء الدائم، إلى القفز فوق مرحلة التشكيل الأولى، بإعلانات جديدة. تعاطٍ مع العصر، بتوزيع جديد، على حقيقة أن القطع الموزعة، تسمح بذاتها بإعادة تدوير حضورها على تصاوير إبداعية جديدة. مجاميع وروايات موسيقية، على موازير الأوركسترا. ثمة ما لا علاقة له بشرعية القطعة هذه أو المؤلف ولا بماهيته ولا بقدرته على الاستمرار. قطعة من تأليف أندريه الحاج، محمولة على ذكرى زيارة قام بها الباشا إلى المعهد قبل وفاته بوقت قصير. مفاجأة من مفاجآت الحفل. ذلك أن الحلي الباشاوية الموسيقية، ذات الهوية الاجتماعية والثقافية والسياسية، لن تُترك وحيدة في فضاء الحفل. سوف يدور معها /برؤاه الخاصة/ عبد الرحمن الباشا، العازف والمؤلف العالمي. حضور على المسرح. حضور في شخصية الوالد الفرد، وتأثيراته على الجماعة المحلية والجماعة العربية.
وجب خلق حضور عبد الرحمن الباشا. سوف يحضر من باريس، خصيصاً لكي يشارك في الحفل. لكي يكمل الكائن الموهوب، عمق وإبداع ما تركه الوالد، المشاغب، على كل ذات. ذاته وذوات الآخرين. اتصال بطريقة يضحي معها المرء هو نفسه وهو الآخر. جسدان بروح واحدة، بعملية محاكاة، لن تعزى إلى طرف واحد. خصائص الآخرية، هنا، ضرورية، لكي يكتمل المشهد بالجميع. أندريه الحاج، رفيع الحضور. ضد تمليح الموسيقى بغير ما لا يمت لصفاء الموسيقى. لا إضافات. لا تزيين. لا يعد أحداً بالأحجار الكريمة، بين ابتسامات وأحزان الملائكة الطائرة في فضاء القاعة المخصصة للتمارين. نخبة العازفين هنا. هنا، من تضطره الظروف إلى الاختفاء، خلف صوت لا عذب. خلف راقصة، تكاد تموت من البرد من عريها. أفضل العازفين هنا. من علي الخطيب إلى رأفت العيتاني. لا تستطيع ترقيم العازفين، إذا لم تستطع أن تحفظ أسماءهم. كلٌ لغزٌ يبرم بين عالم الميتافيزيقيا الموسيقية وعلم اللاهوت الموسيقي. كل ضد المصادفات. كل يقرأ المكتوب نوتة نوتة. كل يترك آلاف الذكريات على آلته. لن يتعفن أحد في بؤس مرعب، حين تهتز آلته، فرحة، بين يديه. العازف والآلة: الحياة بكل أشكالها. «لا أترك جانباً من جوانب المؤلف الموسيقي أو الملحن. أقترب منه كما اقترب من الخبز. اقترب كما يقترب الضوء من العتمة. لا عابر سرياً بعد. لا عبارات عامة. ذلك أن الأوركسترا، كل شيء إلا جمعية خيرية» على ما يقول الحاج. «سلسلة من الكينونات في الحفل الواحد. الآخر أنا وأنا الآخر. لا تلزم حال وسطية للاجتماع. الاجتماع في أحيان، على الهويات العينية المختلفة».
لا خروج على المستوى. لا تَزِّن آلة. لا ترتجل آلة. لكل دوره، في سلسلة من الأدوار، غير المتورطة بالضروب التعسيرية. كل فكرة حقيقة. لا ارتجال ولا انفعال. لا شيء سوى السلطنة. لا تفريد ولا تقسيم إلا على لوحات الضرورة. يردد أندريه الحاج أمام العازفين: اتركوا الإحساس الآن. الآن، لتنفتح الآلات على الكتابة، بزمنها الصائر. لا دعابات، إلا حين تنتهي البروفات. بين معلوم المؤلف المنتخب ومجهوله، تدور التمارين. جانب التقنية جانب. جانب الذات جانب. جانب الذات في إدارة الشأن التقني بالمؤلف الموسيقي جانب. تكتمل الجوانب ببعضها. تأخذ من بعضها. تعطي بعضها. جانب الأسباب جانب. جانب النتائج جانب. ترقص الموسيقى على شرف توفيق الباشا، بعيداً من الانطباعات الزائلة. هذا كفيل بإحياء الروح، بقوة تشمل الاختلاف بذاته.