انشغلت القاهرة في اليومين الماضيين بسؤال واحد: هل يخرج الإعلامي المصري إسلام بحيري من سجنه؟ جاء ذلك بعد تصريحات أدلى بها أول من أمس سعيد جميل، محامي بحيري، عن وجوب الإفراج عن موكله بسبب انقضاء مدة سجنه في تهمة «ازدراء الأديان» (الأخبار ¾/2015 ــ 23/4/2015). وكانت «محكمة جنح مستأنف مصر القديمة»، قد قضت في 27 كانون الثاني (يناير) 2016 بحبس بحيري عاماً واحداً، أمضاه في سجن مزرعة طرة (جنوب القاهرة) بتهمة «ارتكاب جريمة ازدراء الدين الإسلامي» بسبب ما سمّته «تصريحاته المشككة في الأحاديث النبوية وأئمة المذاهب الأربعة»، بعدما خففت المحكمة العقوبة من خمس سنوات إلى سنة واحدة. وجاء في حيثيات الحكم أنّ بحيري «عكف على بثّ أفكار متطرفة تحت ستار الدين، عن طريق استغلال حلقات برنامجه التلفزيوني «مع إسلام» (قناة «القاهرة والناس») وتدويناته على مواقع التواصل الاجتماعي والندوات العامة التي اعتاد خلالها التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي والسنّة النبوية المطهرة، بزعم تجديد الخطاب الديني والتنوير»، وفق ما جاء في نصّ الحكم القضائي.
لا تزال مناقشة تعديل قانون ازدراء الأديان معطّلة في مجلس النواب

تصريحات جميل سعيد الأخيرة، لم تكن الأولى في القضية نفسها، إذ سبق أن أعلن في تموز (يوليو) الماضي أنّ موكله إسلام بحيري سينهي مدة سجنه بعد عشرين يوماً. وقتها، لم يلتفت كثيرون إلى التصريحات التي يبدو أنها تستغل للظهور الإعلامي. ومع معاودة التصريح بالعبارات نفسها لأكثر من صحيفة مصرية، اتصلت «الأخبار» بسعيد لينكر علاقته بالقضية، مشدداً بقوله: «انتهت علاقتي بالقضية كمحامٍ منذ انتهاء الجلسات، ولا أعلم متى سيخرج بحيري»، ونافياً إدلاءه بأي تصريحات للصحف، وختم بأنّه لا يعلم مصدر الشائعة.
الأمر بالفعل ليس أكثر من شائعة مصدرها مكتب محامي إسلام بحيري، الذي لقِّب بـ «محامي نظام مبارك»، بعدما رافع عن رموز الحزب الوطني «المنحلّ»، منهم صفوت الشريف، زكريا عزمي، رشيد محمد رشيد، وهشام طلعت مصطفى، بعد أحداث 25 يناير 2011. كانت هذه الشائعة محاولة من «محامي عُقر» (محنّك) لإعادة تسليط الضوء الإعلامي على بحيري، ما دفع بعضهم إلى وصف الأمر بـ«المتاجرة» بقضية بحيري. من جهتها، أنهت وزارة الداخلية المصرية حالة الجدل التي استمرت لساعات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وأصدرت بياناً نفت فيه صحة ما تردد عن الإفراج عن الباحث إسلام بحيري، نظراً إلى «عدم انقضاء مدة الحبس الصادرة بحقه، وكذلك عدم انطباق أي من شروط العفو عليه».
وتشهد مصر أخيراً عدداً من حالات المحاكمة تحت زعم «ازدراء الأديان»، أبرزها الحكم الصادر على الشاعرة فاطمة ناعوت بالسجن ثلاث سنوات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي بعدما نشرت جملة على حسابها على فايسبوك عن ذبح الحيوانات في عيد الأضحى. كذلك، صدر حكم بالسجن خمس سنوات بحق القاصّ والروائي كرم صابر بسبب نشره مجموعة «أين الله؟» بتهمة «العيب في الذات الإلهية»! ولا تزال مناقشة تعديل قانون ازدراء الأديان بناءً على طلب النائبين محمد زكريا محيي الدين وآمنة نصير «معطلة» داخل مجلس النواب المصري، وطالب النائبان بتعديل القانون وإلغاء الحبس الذي نصت عليه المادة 98 من القانون.

تصدى بحيري لقضية حساسة ومهمة في العالم العربي، هي تجديد الخطاب الديني

وتعود قضية بحيري إلى شهر نيسان (أبريل) من العام الماضي، عندما تدخلت مشيخة الأزهر بهدف وقف برنامج «مع إسلام» التي كانت تبثه قناة «القاهرة والناس»، معتبرة إياه مسيئاً إلى الإسلام، ومقررة ملاحقة المقدم والقناة قضائياً. وفي الشهر ذاته، أجرى بحيري مناظرة تلفزيونية على قناة CBC مع كل من الداعية الإسلامي الحبيب بن علي الجفري، وأسامة الأزهري مستشار الشؤون الدينية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وقتها، أدار المناظرة الإعلامي خيري رمضان، فيما صدّرت الصحف مانشيتاتها في اليوم التالي تحت عناوين «الشيخان يهزمان إسلام بحيري في موقعة المناظرة»!
خلال برنامجه، تصدى بحيري لقضية حساسة ومهمة في مصر والعالم العربي، هي تجديد الخطاب الديني. وعلى كثرة ما تلوك الأفواه المصطلح، بخاصة بعدما دعا السيسي إلى ثورة دينية، فإن مشيخة الأزهر لم تتحمل الرؤى المختلفة خطاباً على غير السائد، ولا تزال تطارد بين الحين والآخر أيّ صاحب رأي مخالف لما توارثته المشيخة كابراً عن كابر، ما يدل على أنّ المؤسسة الدينية الرسمية في مصر لا تملك سوى «خطاب أجوف» عاجز عن التجديد، ويعني انتهاء ملف تجديد الخطاب الديني إلى تقديم الخمر القديم في قنانٍ جديدة «لغوياً» لا أكثر. هكذا، تظلّ مصر تدور في فلك الخطاب الأصولي الذي يسيطر على المؤسسة، بدءاً من خطابات شيخها أحمد الطيب الذي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الـ «سوربون»، وصولاً إلى المناهج التي تتناول قضايا أقل ما توصف بـ «السخيفة» كمسألة جواز أكل لحم الأسير!