ستضاعف الأعمال والتجهيزات الفنية، الحيرة في التعامل مع المعابد الرومانية في بعلبك. لن تفعل التساؤلات والإشكاليات التي يخلّفها المعرض الجماعي شيئاً سوى تكثيف الزمن الذي ضاع في الخفة السياحية والفولكلورية الملتصقة بـ «قلعة بعلبك»، التي يستقبل متحفها حالياً معرض «الصدى الصامت» حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. وبعيداً عن «مهرجانات بعلبك الدولية»، يعد الحدث الذي تنظمه مؤسسة منصة studiocur/art الفنية في باريس المعرض المعاصر الأول في المدينة، وربما خارج بيروت التي تحتكر مراكزها وصالاتها هذه الفنون. تسهل ملاحظة هذا الفارق جيداً من خلال الزوّار المتنوعين المدعوين إلى هذه الفسحة العامة لرؤية أعمال آي ويوي، ومروان رشماوي وباولا يعقوب، وسينتيا زافين، وزياد عنتر، ودانيكا داكيتش، ولوران غراسو، وسوزان هيللر، وتيو مارسييه.

دعت المنسقة اللبنانية ومؤسسة studiocur/art كارينا الحلو، هؤلاء الفنانين المعاصرين والمفهومين من الصين ولبنان وفرنسا وأميركا والبوسنة وأعمالهم المتنوعة بين الفيديو، والنحت، والتجهيز، والفوتوغرافيا. أعمال تسائل التراث والذاكرة، بصفتهما قالباً للأحداث التاريخية، من خلال الأركيولوجيا والعمارة والفن والثقافة والهويات. أحد أكثر الفنانين اللبنانيين جدية وفرادة من الذين اشتغلوا على بيروت، حاضر في المعرض. إنه مروان رشماوي، الذي مثّلت مشاريعه ونصبه المفاهيمية سجلاً معاصراً أساسياً لبيروت التاريخية والاقتصادية والاجتماعية. «بيروت كاوتشوك»، و«طيف ــ عمارة يعقوبيان» و«نصب للأحياء» (أو مشروع لبرج المرّ) ستبقى ماثلة أمامنا كلحظات تفكيكية لبيروت الغائبة والحاضرة، ولتحولاتها القصوى، وحروبها السابقة والمقبلة، والسحر الهش الذي يلفها. في المعرض، نرى عمله «أعمدة» الذي يتألف من 9 أنصاب مصنوعة من الإسمنت، ومن بعض المواد الأخرى كالوسائد والزجاج والزهور والبلاط الملوّن. جمع رشماوي هذه العناصر والتفاصيل من بقايا المنازل المهجورة في بيروت، وجمّدها داخل نصبه، لتصبح دليلاً وافراً لعلماء الآثار المستقبليين، الذين يدرسون تاريخ بيروت وذاكرتها الحية خلال الحرب.

مثّلت أعمال مروان رشماوي سجلاً معاصراً أساسياً لبيروت التاريخية والاقتصادية والاجتماعية
تزور سوزان هيللر (1940) لبنان للمرة الأولى. الفنانة الأميركية البريطانية التي تأثرت بالمينيمالية والمفاهيمية في السبعينات، وإحدى رائدات الفن النسوي في تلك الفترة، تضرب لنا موعداً مع «أصواتها». وإذ تعتقد أن الأصوات تكاد تكون العنصر الأكثر حميمية وشبحية في العمل الفني، فإن مشروعها يرتكز على هذا العنصر فقط. داخل غرفة مقفلة، يلفنا غياب هائل. الشاشة سوداء وستبقى كذلك طوال 20 دقيقة، مدة تجهيز فيديو بعنوان «الفيلم الصامت الأخير» (2007/2008). متأثرة بدراستها للانتروبولوجيا، تنقب هيللر عن اللغات المنقرضة وتلك المهددة بالإنقراض، جامعة تسجيلات صوتية من سنوات مختلفة. نحن نستمع إلى أشخاص ماتوا على الأرجح، مع هالاتهم التي تقص علينا حكايات شعبية، وبعض الصلوات، والتهويدات والأغنيات والصافرات. تضعنا هيللر في مكان الشاهد على انقراض هذه اللغات الشفوية من فييتنام وأستراليا وكندا وجنوب أفريقيا وأميركا وتركيا. إنه فيلم صاخب مليء بأشباح من رحلوا، في فراغ يتماهى مع الخطر الذي يبتلع هذه اللغات ويتهدّدها. في غرفة ثانية في متحف قلعة بعلبك، يعرض «شمس سوداء» (11 د ــ 2014) للوران غراسو. الفيديو محمل باهتمامات الفنان الفرنسي الفنية والعلمية والأركيولوجية. فيديوهاته وصوره وتجهيزاته المشحونة بالفيزياء الحديثة والخيال العلمي، أوغلت في تراث فنون النهضة، وفي الحقائق المتوارثة هادمة ومشككة في صوابية الأحداث الطبيعية والسياسية الكبرى. على ضوء التاريخ والكوارث الجغرافية والبيئية التي تتهددنا، يقود غراسو رحلة محفوفة بالفراغ إلى مدينة بومبي الإيطالية المعمرة من الآثار الرومانية على سفح جبل فيزوف البركاني، الذي نال من أهل المدينة عام 79 ميلادياً. لا تزال المدينة التي نراها بعدسة من كاميرا تطوف ببطء في الأعلى محتفظة بخلائها من أي جنس بشري. يصنع غروسو بورتريهاً للأمكنة ما بعد الجنس البشري على وقع الموسيقى الإلكترونية، مستحضراً الزوال، مصير البشر الثابت. الفراغ كما يقدمه مرعب وجاف، يستعيد الذاكرة البشرية للمكان وعلاقته المتعددة بالجيولوجيا والأركيولوجيا من خلال البطء. زياد عنتر الذي وضع كاميرته على التلال الشاهقة لجبال عسير في السعودية في معرضه الأخير After Images هذه السنة، لا يزال مشوغلاً بالمخبّأ عن عدسة الكاميرا. في غرفة الموتى في القلعة، علّقت صوره التسع بالأبيض والأسود. زياد عنتر أركيولوجي آخر وجد ضالته على رصيف جدّة، حيث تنتصب منحوتات لخوان ميرو وعارف الريس، وهنري مور وجان آرب وغيرهم ممن كانت امانة جدة قد استقدمتها في السبعينيات. نتيجة لبعض أعمال البناء والترميم في المكان المحيط لهذه المنحوتات العامة، لُفّت الأنصاب بقماش لحمايتها من الآثار المترتبة عن تبدل المكان المحيط. التحول الذي تعرّض له شكل المنحوتات الخارجي، بالتوازي مع التغير الذي تشهده مدينة جدّة هو ما قاد تساؤلات عنتر عن الحقيقة، من خلال علاقة هذه الأنصاب بالمحيط، وبالتدخلات البشرية وتأثيرات الطبيعة والطقس التي تجعل من حمايتها من التغيرات أمراً مستحيلاً.
في سياق مشابه لهواجس عنتر، برغم اختلاف الطرح، تطالعنا منحوتات الفرنسي تيو ميرسييه في رواق المعرض لطويل. محاطة بهالات الظلال المتدفقة على الجدار والأرض نتيجة الضوء الطبيعي، تقف أعماله المأخوذة عن أعمال معروفة من أفريقيا وأوروبا والأميركيتين مثل دمية أشانتي من غانا، وفينوس ولندورف وإله المطر تلالوك لدى الأزتك، وتماثيل المواي، والشيمو، والموموي. بعد إنجازها بأحجام متفاوتة، وضع ميرسييه هذه التماثيل داخل كهف لنحو عامين، مشرعاً إياها على التغييرات الطبيعية التي قد تلحق بها نتيجة مرور الوقت وتعرضها لظروف بيئية معينة. هكذا خرجت هذه التماثيل، مع طبقة من الحجر الكلسي فوق المواد التي استخدمها الفنان في النحت. من خلال استعادة أيقونات هذه الثقافات والإثنيات المندثرة، يحاكي ميرسييه علاقتنا الثابتة مع الوقت والتاريخ وقابلية إعادة انتاج الفنية وتغيره. آي ويوي في ضيافة لبنان مجدداً بعد زيارته المفاجئة قبل أشهر لمخيمات صبرا وشاتيلا والبقاع وغيرها، ضمن مشروعه عن أزمة اللجوء العالمية. الفنان الصيني المشاكس وجّه صفعات لاذعة لنظام بلاده وممارساته السياسية والإقتصادية والإجتماعية، إلى جانب عمله على التراث الصيني كما حين كسر جرة صينية عمرها 2000 سنة، كقطيعة مع الماضي في سلسلته الفوتوغرافية عام 1995. لا يزال ويوي مشغولاً بأسئلة التغيير والهدم وإعادة البناء، في تجهيزه التفاعلي «مؤسسة» (2015) الذي تمتد عتبته المرتفعة عن الأرض المصنوعة من خشب شجر البلوط في إحدى صالات بعلبك، نحن مدعوون إلى الجلوس على قواعد حجرية لأعمدة قديمة تشكل أساسات لمنزل صيني تقليدي هدم نتيجة التوسع العمراني. بين الماضي والحاضر، يترك ويوي لنا مساحة لاستكشاف هذه العلاقة الزمنية، وتوقع المستقبل، أمام شاشة تعرض صوراً من حساب ويوي على انستغرام، انطلاقاً من حقيقة أن وسائل التواصل الإجتماعي تعدّ المساحة العامّة الجديدة. طبقات بيروت المتعددة وسردياتها حاضرة في تجهيز فوتوغرافي للفنانة اللبنانية باولا يعقوب، التي رافقت الفترة الإنتقالية لأعمال إعادة الإعمار والحفريات في وسط بيروت خلال التسعينات. يضم «الخطر» (2016) صور بولارويد، وصوراً أخرى معروضة على بروجيكتور تظهر أعمال الحفريات في بيروت، مع العمارات التي بقيت من فترة إعادة الإعمار، وأخرى أثناء تدميرها. تستثير هذه الصور الطبقات المادية والسردية المعقدة التي تعد مرجعاً أساسياً للسرد التاريخي، وخصوصاً في بيروت التي شهدت زلازل وأعاصير متنوعة أطاحت بعض وجوهها وولدت أشكالاً أخرى. هناك أيضاً، La Grande Galerie للفنانة البوسنية دانيكا دانيتش التي عملت على مهاجرين من كوسوفو لا يملكون أوراقاً ثبوتية. في معالجتها للهويات واللغة والأرض والإرث التاريخي، التقطت دانيتش صوراً للاجئين. أما لوحة هوبير روبير «الغاليري الكبيرة» التي يصور فيها دمار الغاليري الكبيرة في متحف اللوفر، فتستكشف الهوية وعلاقتها بالذاكرة والماضي وبالمكان والأطلال، أمام العنف والحروب والإنسلاخ. في معبد باخوس، وضع عمل «الحركة الدائمة» (2014) لسينتيا زافين. نصب في المكان 12 مكبراً صوتياً بشكل دائري، هي أشبه بساعة صوتية. تتحرك النوطة الموسيقية الواحدة على البيانو من مكبر إلى آخر باتجاه عقارب الساعة، قبل الإنتقال إلى الفوضى في محاكاة للفوضى التي تحاول آلات الوقت تنظيمها.

* «الصدى الصامت»: حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر) ــ المتحف الأثري لـ «قلعة بعلبك».