«الآن وهنا» كان الشعار الذي اختاره الفاضل الجعايبي (1945) وجليلة بكّار (1952) منذ منتصف السبعينيات مع مجموعة «المسرح الجديد» آنذاك. وفي عملهما الجديد «العنف» (نص جليلة بكار، إخراج وسيناريو وإنارة الفاضل الجعايبي، أداء جليلة بكّار، وفاطمة بن سعيدان، ونعمان حمدة، ولبنى مليكة، وأيمن الماجري، ونسرين المولهي، وأحمد طه حمروني، ومعين مومني)، يواصل هذا الثنائي الحفر عميقاً في الحياة اليومية للتونسيين، بكل ما يحيط بها من مرارة وخسارة وجريمة وعنف.
الجدران سوداء، الكراسي حديدية، وملامح غائمة ووجوه لا تكاد ترى

عندما تغادر قاعة العرض بعد مشاهدة «العنف» التي تستغرق حوالى ساعتين، تشعر أنّك تغرق في بئر عميقة من الظلام: المجتمع التونسي الذي بشّر العالم العربي بـ«الربيع» و«الحرية» و«الديمقراطية»، يتحوّل بلده إلى أكبر مصدّر للقتلة، وتتحوّل فيه جريمة القتل إلى فرجة! لماذا وصلنا الى هنا؟ يتساءل الجعايبي وبكّار. منذ أن فقد المسرح قيمته في المجتمع، ومنذ تهميش الفلسفة في البرامج الرسمية إلى حدّ قتل أستاذة فلسفة على أيدي تلاميذها، ومنذ أن وصل الإسلاميون إلى الحكم، تحوّلت تونس إلى فضاء مرعب يغلّفه السواد وتفوح منه رائحة القتل.
مسرحية «العنف» التي تعرض الليلة على خشبة «مسرح المدينة» ضمن أنشطة «الشبكة الدولية للفنون الأدائية المعاصرة» IETM، تحمل نوعاً من المباشرةً أرادها الجعايبي وجليلة بكّار أن تكون تشخيصاً دقيقاً للحالة التونسية كعادتهما في كل أعمالهما السابقة. إنّها مسرحية تدين العنف الذي غرق فيه المجتمع بكل أبعاده، بدءاً من العنف الذي يعانيه الأطفال من الآباء والجيران في الأوساط الشعبية، ما يدفعهم لاحقاً الى الانحراف، وصولاً الى العنف والتعذيب اللذين يسلّطهما أعوان الأمن على الموقوفين في مراكز الأمن واغتيال الناشطين السياسيين ومحاصرة الحريات الشخصية، وهو ما يفعله المتشدّدون الدينيون منذ سقوط نظام بن علي.
هذه المعالجة للحالة التونسية لم تكن موضوعاً مسقطاً، بل إنّ الجعايبي وبكار انطلقا في مقاربتهما من أربع جرائم هزّت الشارع التونسي: «زهرة» امرأة ريفية فقيرة تقتل ابنها «حمّة» بطريقة بشعة، إذ تضعه في فرن ليموت مشوياً بالنيران كأنه خروف أو ديك! أمّا «فاطمة»، السيّدة الأنيقة، فتقتل «حسين» زوجها وهو غارق في قراءة كتاب في لحظة انهيار نفسي اختلطت فيها صورة زوجها بصورة سائق التاكسي الذي حاول اغتصابها يوماً، ما ترك في روحها ندوباً عميقة. الجريمة الثالثة ارتكبها التلاميذ «مروى» و«فاضل» و«ناجي» و«صالح»، الذين قتلوا أستاذة الفلسفة وعبثوا بجثتها. وخاتمة الجرائم ذبح أيمن في لحظة حب لعشيقه قيس، مبرراً جريمته بأنه يحبّه وليس نادماً على قتله!
كثيرون لاموا الجعايبي ورفيقة دربه على تقديم صورة سوداوية عن المجتمع التونسي، لكنهما في الحقيقة لم يأتيا بشيء من خارج الواقع اليومي للتونسيين. في السنوات الأخيرة، تقدّم الصحف اليومية بشكل شبه يومي تفاصيل جرائم قتل مختلفة وغالباً لأسباب تافهة في جهات مختلفة من البلاد. كذلك فإنّ أعداد المتشددين الدينيين الذين يغادرون البلاد باتجاه بؤر التوتر في تزايد، وكذلك عدد الذين يتمّ إيقافهم في مراكز الأمن.
العنف بمختلف مستوياته ومظاهره سمة الحياة اليومية، وقد نجح الجعايبي في مقاربته المسرحية، من خلال نص جليلة بكّار، في تعرية الشخصية التونسية التي كنا نعتقد أنها بعيدة عن العنف، لكن عدد الإرهابيين وحجم جرائم القتل في الشارع أيقظانا على حقيقتنا النائمة. لقد عرّى الجعايبي وبكّار في هذه المسرحية وجهنا الآخر، وكشفا الوحشية التي تخفيها شخصية الإنسان وتتغطّى أحياناً بالثقافة.
من بداية المسرحية إلى نهايتها، لا نرى إلا السواد، الضوء، الجدران السوداء، الكراسي الحديدية، ملامح غائمة ووجوهاً لا تكاد ترى، عنف الخطاب والحركة، موسيقى إنذار... هكذا جاءت مسرحية «العنف» التي أرادها الجعايبي وبكّار صرخة فزع علّها توقظ التونسيين، وتذكّرهم بسانت أغسطين وابن خلدون والشابي والصادقية وخير الدين، وبأنهم يجب أن «يقفوا لتونس»، وهي صرخة الشهيد شكري بلعيد الذي سقط برصاص القتلة الذين أغرقوا البلاد في السواد والخراب والفساد.

* «العنف»: 20:30 مساء اليوم ــ «مسرح المدينة» (الحمرا)