على الرغم من قناعتي بأن دور الفن لا ينحصر فقط بقول الحقيقة، وبأن الفن ليس مجرد أداة إخبارية بأي حال من الأحوال، وافقت في عام 2014 على الإشراف على تقديم عرض مسرحي مبني على القصص الواقعية والتجارب الشخصية حول موضوعة اللامساواة لـ 22 يافعاً ويافعة من الأردن وسوريا يعيشون في مدينة إربد شمال الأردن.

لا يلتفت هذا النوع من المسرح كثيراً إلى السوية الفنية للمنتج النهائي، بل يركّز على العملية الفنية خلال التدريبات التي من شأنها أن تمنح المشاركين مجموعة من المهارات والأدوات لتتيح لهم إعادة التفكير بمحيطهم وبالتالي تحسين الشروط الاجتماعية لحياتهم.
يذهلني في الأسابيع الأولى ذلك الكمّ الكبير من الحوادث الشخصية حول اللامساواة التي يرويها المشاركون على مسامعنا أو يعيدون إنتاجها عبر وسائط فنية متعددة بالغناء أو الرقص بإشراف مدربين مختصين.
يندفع المشاركون لقول الحقيقة بقوة وفجاجة وبلا مواربة. غاضبون ومندفعون. لا يريدون مجاملة هذا العالم ولا يريدون قبوله أو فهمه. يريدون رفع صوتهم وقول الحقيقة كما هي. جميلة وقبيحة في آن.
في الواقع، لم أكن أرى في اندفاعهم هذا سوى تجسيداً لروح التمرد التي تسكن كل فنان. يحلم الفنانون أيضاً بعالم بديل. يحملون بداخلهم تلك الصرخة الطفولية الفاضحة لقبح العالم. يرفضون جميع أشكال التمييز والقهر ويودون لو يكشفون كل ما هو مستور.
ولكن، على الجانب الآخر، يقبع العالم -وهو حقيقي أيضاً- حيث لا تجمع الناس علاقة طيبة مع الحقيقة. المجتمع مثقل بأنظمة الرقابة الفردية والجمعية -الرسمية وغير الرسمية- التي لا يمكننا تجاهلها كفنانين ولا ينبغي لنا بحال من الأحوال قبولها أو الإذعان لها. وفي مدينة محافظة ومهمشة كإربد، يبدو الحديث عن التمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الجنسية ضرباً من الجنون.
في تلك التجربة، كنت أرى المشاركين اليافعين امتداداً لرغبتي الداخلية الطفولية بصفع العالم بالحقيقة، وفي المقابل، لمست في نظام الرقابة الاجتماعية المعقد في تلك المدينة استطالة لرقابتي الذاتية. كيف يمكن الحفاظ على حرارة صرخة المشاركين وعفويتها وصدقها وتجنّب الاصطدام بنظام الرقابة الصارم في الوقت نفسه؟ بهذا المعنى، برزت مسألة حماية المشاركين من أنفسهم ومن تقديم هذه المسرحية كمسؤولية أخلاقية وفنية.
يمضي المشروع على قدم وساق. نختار القصص بعناية ونعالجها درامياً ومسرحياً. نحرص على خلق نوع من التوازن بين الإيجابيات والسلبيات. والأهم يتمكن المشاركون تدريجياً من إدراك شرطهم الاجتماعي، وينفتحون على بعضهم البعض ويقبلون اختلافاتهم على أنها عوامل للتواصل والعيش المشترك. تزداد ثقتهم بأنفسهم وببعضهم وبدور الفنون في تنمية قدراتهم وتعزيز مهاراتهم.
ليلة الافتتاح، تغص الصالة الكبيرة بالجمهور. ينظرون إلى الخشبة الفارغة التي يقبع خلفها المشاركون اليافعون في أماكنهم على أهبة الاستعداد لــ "تغيير العالم". يلعب الجمهور دوره ويتفاعل بالإنصات والضحك عالياً أو البكاء بهدوء ثم بالتصفيق الحار. تمتلأ عيون المشاركين خلال التحية النهائية بالحب والأمل والنجاح. تمت المهمة ولكن العالم لا يزال كما هو.. هل انزاح قليلاً؟ هل ثمّة ثلم ما يمكن أن نلمحه في تلك الصخرة؟
في جلسات النقاش التي تلت العروض، يثني البعض على جهودنا ويحييون فينا شجاعتنا، بينما ينتفض آخرون في وجوهنا غير مصدقين لما قدمناه على الخشبة. نجيبهم أنها قصص واقعية حدثت بالفعل، فيجيبون ببداهة وعفوية: "لماذا اخترتم القصص السلبية ولم تتحدثوا عن القصص الإيجابية؟ أنتم بذلك تثيرون الفتنة في المجتمع وتحرضون على مزيد من التمييز".
إن تناسينا اتهام التحريض على الفتنة قليلاً، نرى أن في ما يقوله الجمهور جانب من الصواب. لا يكفي أن تحصل الحادثة في الواقع حتى تكون صالحة للفن. جملةٌ ما فتئ أساتذة الدراما بتكرارها على مسامعنا على مقاعد الدراسة.
"الأغلبية تمتلك القوة، ولكنها لا تمتلك الفضيلة" جملة قالها الكاتب المسرحي النرويجي الشهير هنريك إبسن. إنها حقيقة أدركها هذا الكاتب وانتهجها في نصوصه التي وجهّت إلى الجمهور الأوروبي قبل أكثر من مئتي عام عشرات الصفعات المدوية دون أن تخدش حياءه العام.
يريد الجمهور أن نروي على مسامعهم قصصاً –حقيقية أيضاً- ترضيهم وتثني على نمط حياتهم. لم يطلب الجمهور منا أن نكذب في أي حال من الأحوال. هم يريدون جزءاً من الحقيقة بينما نصرّ نحن الفنانون على إسماعهم الجزء الآخر!
لماذا لا يُعمل جميع الفنانون خيالهم في ابتكار طرائق بديلة لقول الحقيقة؟ لم يتعمّدون في بعض الأحيان مقارعة طواحين الهواء والاستشهاد على مداخل مدينة الفضيلة؟
يعتقد بعض الفنانين أن رفع عقيرتهم بالحقيقة كفيل بتغيير العالم، وفي المقابل، يتوهم الجمهور – بعضه أو معظمه- أن خير طريقة لوأد المشاكل هي الإطباق عليها بصمت ثقيل. يريد الفنانون أن يضعوا مرآة كبيرة في وجه هذا العالم، بينما يحرص الجمهور على كسر تلك المرآة كلما صادفتهم.
للوهلة الأولى، يبدو هذان الفعلان متعارضين، إلا أن تأملاً بسيطاً يؤكد لنا أنهما امتداد لبعضهما البعض وبأنهما قائمان على الماهية نفسها.. العنف.
في كثير من الأحيان، يبدو الفنان في كثير من البلدان العربية أكثر تشنجاً من جمهوره. يسعى إلى تحطيم التابوهات في قلب المجتمعات المحافظة عبر عروضه وأعماله الفنية ولا يريد من الجمهور أن يبدي استياء أو غضباً. يسلّح نفسه بقائمة من الاتهامات الجاهزة يكيلها إلى جمهوره أقلّها الجهل. سرعان ما يتقمص الفنان دور الضحية التي يستيقظ المجتمع صباحاً باحثاً عنها لمصادرة رأيها وحرية تعبيرها!
في تلك التجربة، لم يرَ المشاركون من بين مئات الحاضرين سوى أولئك الأشخاص الذين انتقدوا المسرحية. لسبب ما، لا نلتفت إلى تلك الكتلة الصامتة الكبيرة التي يشي صمتها بقبول وتواطؤ ضمني معنا. إنهم أمامنا مباشرة. استقبلوا رسالة العرض ومنحونا قبولها ومباركتهم عبر صمتهم أو كلماتهم الخجولة. إنهم لا يريدون بدورهم معارضة قوانين الرقابة أو الأعراف السائدة، ولكننا لسبب ما لا نراهم ولا نستمد منهم أي طاقة إيجابية ولا ندخل معهم في حوار أو علاقة.
كذلك، لم ير الجمهور في كل ما تم تقديمه على الخشبة سوى تلك التفاصيل التي تفضح بعض الممارسات التمييزية اليومية. لم يتمكن الجمهور من لمس طاقة 22 مشاركاً من الجيل الجديد ورغبتهم في بناء مجتمع جديد يخلو من العنف والتمييز.
ينبغي لحرية التعبير أن تكون مكفولة للجميع، فنانين وجمهوراً.
التوقف عن لعب دور الأوصياء على المجتمع هو الخطوة الأولى التي ينبغي علينا كفنانين القيام بها في سبيل صون حرية التعبير وتحصينها. الخطوة الأولى لقول الحقيقة هي أن نكفر بها وننكر وجودها، ولكن أن لا نتوقف عن البحث عنها كل يوم!
* كاتب ومخرج مسرحي من سوريا