منذ أن حضرت صديقتي تمرين عرض مسرحيتي الأخيرة "جوغينغ" وأدلت بتعليق واحد: "كم أنت امرأة حرّة!" وأنا أحاول أن أتبين مدى جدية أو صحة هذه العبارة أنا المرأة الأم المواطنة الممثلة المعجونة بالتناقضات! كيف لي أن أرمح في هذا المدى المنظور من الحرية وأنا الممثلة المحجبة؟ كيف يعقل أن لا أشكك في هذا الوصف بعدما اختبرت الحدود التي أقف عليها عندما أضناني وجد غرامي بشخصية ألماسة بطلة مسرحية "طقوس الإشارات والتحولات" 1، تلك الشخصية التي تجرّأ على كتابتها سعدالله ونوس وقد خلقها من صلب الثالوث المقدس المدنس لمجتمعنا (السياسة ـ الدين ـ الجنس) دون تجرّؤي على خطب ودّها والفوز بوصالها بتشخيصها على خشبة المسرح! هي الشريفة بنت الأشراف المنقّبة التي تختار أن تخلع جلبابها وزوجها وكل ما يربطها بالمجتمع وتضرب على جيوب مفاتن جسدها لتدني إليها الرجال، معرّية الكذب والخبث والرياء كما لم تفعله شخصية في تراث أدبنا المسرحي.

"الماسة" العاهرة فتنتنا كقراء وكممثلين لأن عظمتها تأتي من عظمة تجرؤ الضدّ الحرام (الدعارة الخالصة التي لا تشوبها شائبة) على إظهار قبح ضده الحلال (المتطهرون الأنجاس) مظهراً هذا الضد حسن الأول! كفرت ألماسة ليميط هذا الكفر اللثام عن إيمان فظيع. لقد اعتنقت الدعارة لكي تتطهر من الفسق الذي يمارسه نخاسيو ذلك الثالوث، الذين يتاجرون بالضمائر والأعراض والذمم، بينما يمارسون باسم الدفاع عن مصالح الأمة ومكارم الأخلاق سياسة كمّ الأفواه واعتقال الأجساد وسحل الأفكار.
فتنتنا الماسة، وماذا فعلنا بهذه الفتنة؟ ما كادت المسرحية تعرض في حلب حتى هبّ الغيارى على سلطة الدين ودين السلطة فمنعوها لتنضم إلى قافلة سبايا الإبداع. تجرّأ صناع السياسة على القانون بالقوة فاجترحوا بالفعل قوانين تكسر عنق الدساتير الوطنية ومنعوا حق الإنسان بالتعبير الحر. أما أنا حنان الحاج علي "الممثلة من طراز فريد بمنديلها الحر حتى الينابيع" كما وصفني صحافي نقدي حتى العظام، ما كدت أتعرف إلى ألماسة حتى أدركت مدى التحدي الذي تفرضه عليّ فوقفت عطشى أمام هذا السيل من الحرية الذي فجّره ونوس عندما دق بعصاه طقوس المسرح البالية، غير متجرئة على اغتراف حفنة ماء أروي بها ظمئي لهذا النوع من الإبداع المسرحي. وما بين موقفي الشخصي ومواقف السلطات السياسية والدينية مجتمع، بل مجتمعات بأكملها لا تقبل وترتضي وتخضع فقط، بل تساهم وتجيّش حملات الدفاع عن مكارم الأخلاق الخبيثة. تدجين منهجي همجي وضعنا أمام طبقات متراكبة من الرقابة ليس أقلها الرقابة الذاتية.
الآن، وهنا وبعد حوالى أربعة عقود من العمل الفني والإبداعي و"السياسي"، وبعد فترة طويلة من النشاط الثقافي الذي أحاول من خلاله مع مجموعة من المبدعين والناشطين الثقافيين أن نبقى على تماس عضوي مع ما يعتمل في المجتمع من قضايا؛ وعلى رأسها قضايا الحقوق والحريات، عقدنا تحالفات وانضوينا في مقارعات طويلة مع الأنا ومع الآخر أكثرها مُنيَ بالفشل، ولكن القليل الذي نجحنا من خلاله بإحداث تغيير ننشده علّمنا أن لا نقف على أطلال الهزائم لنتباكى، بل جعلنا ندرك أن الممكن والمستحيل، كما الموت والحياة، وجهان لعملة واحدة.
خلال مسيرتي خضت معارك عديدة طالت سنين لأكون حنان الممثلة في مجتمع يعتبر الفنانة امرأة سيئة السمعة، مقتفية أثر فنانات استثنائيات (من أمثال رضى خوري ورينيه الديك)، ولأكون زوجة لرجل فنان متحدر من وسط مسيحي ماروني، مثلي في ذلك مثل زيجات فريدة تمت بين محبين سنّة وشيعة وموارنة وأرثوذوكس ودروز خلال الحرب اللبنانية، تلك الحرب المسمّاة أهلية، والتي بقدر ما أذكت أوار الطائفية في المجتمع اللبناني بقدر ما أماطت اللثام من أمام بصائر بعض المجموعات والأفراد فأعادوا ترتيب أولوياتهم ونبذوا العنف والتناحر واختاروا الوحدة في التنوع. لم يكن سهلاً أن أرتدي الميني جيب والديكولتي والبيكيني، كما لم يكن سهلاً أبداً أن أضع الحجاب الذي اخترته بإرادتي وباختياري لا لسبب دينيّ فحسب بل لأسباب عديدة ليس أقلها الجمالي والإنساني، وكان وارداً أن لا أبقى عليه، إلا أنني ومع التشويه المريع الذي حصل لتلك الرموز وترسيخ الصور النمطية وتعميمها على كل من له علاقة بها، أردت أن لا ينسى الناس أن امرأة محجّبة مبدعة وحرّة ليست أمراً ممكناً بل حتمياً، مقتفية بذلك أثر جدتي المحجبة الفنانة المبدعة المؤمنة التي أقنعتني كم أن الله جميل ويحب الجمال، والتي علمتني الغناء والرقص والشعر، والتي اكتشفت من خلالها أن عهداً صادقاً يقطعه لبعضهما حبيبان بوجود شاهدين مدنيين هو زواج شرعي مئة بالمئة مبارك من العناية الإلهية من دون حاجة إلى وساطة رجل دين. هكذا تزوجت هي وهكذا ارتبطت أنا بحبيبي، وهو ذا العهد الذي أتمنى أن يرتبط به أولادي وأولاد جيلهم في بوتقة من المواطنة السواء، وهو أمر دونه مطبّات عديدة وحواجز كثيرة أدناه خطان أحمران بل قانيا الحمرة: أولهما فصل الدين عن الدولة، وبالتالي فك ارتباط المواطنة بالمذهب الديني، وثانيهما حق إعطاء المواطنة اللبنانية جنسيتها وهويتها لأولادها!
منذ أن اخترت المسرح مارسته فطرياً كفضاء مفتوح على الحياة. ومع تطوري المهني ونمو تجربتي ازدادت قناعتي بهذه الممارسة وازداد وعيي بالمسؤولية التي أراها في صلب دور المسرح وهو المسمى منذ نشأته "تياترون" أي المكان الذي منه نرى. ونون الجماعة يراد بها جمع المواطنين: جمهوراً وممثلين. الجمهور يرى حيز التمثيل، الممثلين، تمثيلاته والمواطنين الآخرين. والممثلون يرون صورتهم وصورة المدينة، أي الجمهور، تلك النواة الديموقراطية، التي أعطتهم حق الكلام السياسي وحرية القول والنقاش وكانت علة وجود المدينة ووجود المسرح. هذا الفضاء الحر، تلك الأغورا لا تزال ممكنة، ولنا على ذلك شواهد أسرعها إلى الذهن تجربة "الفن ميدان" 2 في مصر. التحدي كبير، وما بين ميادين التحرير وميادين الفن مجازر أولى وثانية وثالثة و"رابعة" 3...، إلا أن أجساداً وأرواحاً وأصواتاً وعيوناً وأفكاراً استعادت حقها بالحرية ولو لهنيهة لن تكون البتّة ما كانته من قبل. فهل نختار الانضمام إلى هذا المجرى، أم البقاء بعيداً عنه نحدّق به ونحن نكاد نموت من العطش؟