للرقم ١٧ أهمية في حياتي الشخصية. ١٧/١٢/٢٠٠٤ كان يوماً مشمساً في بغداد، حينها كنت في ايام التصوير الاخيرة لفيلمي الاول "أحلام"، أتذكر حينها أنا وفريق التصوير كنا في موقع التصوير في شارع حيفا أحد شوارع بغداد حيث كان يطلق عليه يومها "شارع الموت". إبان فترة الصراعات الطائفية، هاجمتنا مجموعة اشخاص من تنظيم القاعدة واختطفونا انا و٤ افراد من طاقم العمل الى مكان مجهول، تعرضت انا وأحد رفاقي لجراح، والذي كان المسؤول عن تسجيل الصوت وعمره ١٧ سنة! وبعد ساعات في مكان ما حدث شجار واطلاق نار تمكنا، ونحن غير مصدقين، من الهروب، كانت وجهتنا المستشفى لمعالجة زميلنا الذي أصيب بطلق ناري ليتم اسعافه واخراج الرصاصة من جسمه، لكن حدث ما لم نتوقعه أيضاً، قام ضابط أمن من المستشفى وبالاتفاق مع مليشيا معينة باختطافنا لأنهم ظنوا اننا اجانب أو ظنوا بأننا نعمل لصالح جهة أجنبية. قامت تلك المليشيا بحبسنا في مقبرة وتعذيبنا، ثم تم تسليمنا الى الاميركان حيث اعتقلونا ورمونا في السجن باعتبارنا اجانب نعمل لصالح تنظيم القاعدة! كان المعتقل قاسياً جداً، حيث تمت تعريتنا ليتم تفتيشنا، ولأني صرخت بوجه ضابط أمريكي بأني فنان وطالبت بحريتي لأنني لست مجرماً، ضربت كثيراً.

مساحة الزنزانة كانت بطول مترين وعرضها متر، كنا نحصل على أربع سجائر فقط يومياً، كنا نتعرض للتفتيش الشخصي والضرب من قبل الجيش الاميركي في المعتقل، لاحقاً أدرك الجنود بالسجن بأني أجيد التحدث باللغة الانكليزية بعد ان أبدوا إعجابهم بماركة حذائي الأوروبي! حينها بدأت القيام بأعمال ترجمة داخل المعتقل مقابل الحصول على مزيد من السجائر وحساء دجاج ساخن. بالواقع، كنت حبيس الأفكار التي كانت تدور برأسي حينها: ما الذي أفعله هنا؟ هل كنت مخطئاً حين قررت أن أصنع السينما في بلدي الذي أصبح طائفياً؟ لا شك بأني ارتكبت خطأً شنيعاً وخصوصاً حينما اختطفتني كلتا الطائفتين واعتقلني الأمريكان، بتُّ أنا الفيلم، أنا السينما التي وددت أن أصنعها في بلدي، ولكنه هو من "صَنَعَني سينما"!
بعد هذه التجربة وخروجنا من المعتقل، تراجعت عن قرار إكمال الفيلم وسط مخاوف الخطف والاعتقال، غير انني قررت إكمال التصوير بعد اصرار فريق العمل ولكن بالتخفي وراء الكوفية العربية.
خرج الفيلم للعالم ليشارك في ١٥٠ مهرجاناً دولياً، ولد الفيلم العراقي الصنع بعد مخاض عسير في ظروف البلد الطائفية والاحتلال والإرهاب. كنت مخرجاً سينمائياً يافعاً حينها قادماً من الغربة ليعود إلى أحضان بلاده التي هجرها بالإكراه، يعود ليصور معاناة بلده وأهله عبر ما يمتلكه من أداة التعبير: كاميرا وصوت. لكن ثمن التعبير كان باهظاً آنذاك إذ دفعته في غرف مغلقة ومعتقلات مظلمة وأيام حرمان وتعذيب جسدي وازدراء لإنسانيتي وكرامتي وحريتي.
مضت السنوات، قمت بإخراج خمسة أفلام خلالها، قدمت بلادي في اكثر من ٥٠٠ مهرجان دولي و١٠٠ جائزة عالمية وأفلامي وزعت في دور العرض والتلفاز العالمية وأسست مع زملائي اهم مركز للسينما في العراق "المركز العراقي للفيلم المستقل".
وبعد سنوات انتقلنا في نضالنا من مخاوف تنظيم القاعدة والجيش الاميركي والمليشيات الى جماعات مسلحة جديدة تمثلت بظهور داعش وتفشي فساد حكومي.
وفي يوم ١٧/١١/٢٠١٥ كان يوماً مشمساً أيضاً في بغداد، قبل ذهابي الى موقع تصوير فيلمي السادس "الرحلة" ، تظاهرت مع مجموعة من الفنانين والمثقفين العراقيين أمام مبنى البرلمان العراقي، كانت لدينا طموحات بتغيير الفساد الذي نخر جسد العراق، تعرضت للاعتقال وحتى الضرب والاعتداء من قبل قوات حماية المنطقة الخضراء!
لكن ايماني بالمواطَنة واحترام انسانية الفرد وحرياته في التعبير والحياة الكريمة، إيماني بأن كل المسميات التي اعتقلتني وضربتني، القاعدة، الميليشيات، الأمريكان، الحكومة الفاسدة، كلها أوجه لعملة واحدة مسؤولة عن موتنا اليومي ومعاناتنا المستديمة للان توقفنا.
١٧.. ما الذي تخبئه لي؟
*مخرج عراقي